متعة الإبحار إلى هناك!

متعة الإبحار إلى هناك!

 

سأبدأ من حيث انتهيت في مقالي الأخير، فكما ذكرت سابقا، كان اليوم ممتلأ بالأحداث، فبعد قضاء صباح زاخر بالسير على الأقدام في أماكن لا أعرفهاوالاستمتاع بالتوهان في وسط العاصمة السويدية، ودخول محل لبيع المجلات المستعملة لأجد عنده عملات مصرية قديمة، ومرورا بتناول "آيس كريم" وعدم دفع ثمنه لأسباب خارجة عن إرادتي!قررت العودة إلى الفندق حيث أن هذه الجولة الصباحية قد طالت وخرجت عن الغرض المحدد لها، حتى أن الساعة قد اقتربت الآن من الثالثة عصرا، أي أنني قد قضيت نحو ست ساعات منذ استيقاظي من النوم في فعل أشياء وزيارة أماكن لم أكن قد خططت لها.

قاومت هذه الأفكار وأنا في طريقي إلى الفندق سيرا على الأقدام، وحاولت أن أقنع نفسي أن الوقت الذي نمضيه بلا تخطيط هو أروع عادة من الوقت المخطط له بدقة، وقد خططت طوال حياتي بشكل مبالغ فيه، فلا مانع اليوم من بعض العشوائية.

وصلت إلى الفندق، وقبل أن أصعد إلى غرفتي لتغير ملابسي وارتداء حذاء المشي لتكملة اليوم، وقفت قليلا للتحدث مع أحد موظفي الفندق وأخبرته أنني أريد الذهاب في رحلة بحرية كانت صديقة سويدية قد نصحتني بالقيام بها، حيث أن ستوكهولم هي عبارة عن أرخبيل أو عدد من الجزر المتناثرة، وقد أخبرتني صديقتي تلك أن استكشاف تلك الجزر سيكون أمرا شيقا عليّ القيام به، أو على الأقل زيارة جزيرة واحدة إن لم يكن لدي متسعا من الوقت في رحلتي لزيارتهم جميعا.

وسألت الموظف إذا كان الوقت اليوم قد تأخر للحاق بالباخرة المتجهة إلى الجزيرة الأقرب وهي جزيرة "فاكسهولم"، فقام بالبحث قليلا على شبكة الانترنت ليخبرني أنه مازالت لدي فرصة للذهاب، حيث أن هناك أكثر من "عبّارة" تبحر إلى هذه الجزيرة وفي عدة مواعيد مختلفة على مدار اليوم، وأخذ يفكر قليلا ويحسب الوقت الذي سأحتاجه للذهاب واستكشاف الجزيرة ومن ثم العودة إلى الفندق.

"هناك عبّارة ستبحر من الميناء في الرابعة مساءا، أي بعد حوالي  نصف ساعة من الآن، والميناء لا يبعد عن الفندق سوى 15 دقيقة تقريبا سيرا على الأقدام، أما الرحلة البحرية ذاتها فسوف تستغرق ساعة في الذهاب، ومثلها في العودة، ورؤية الجزيرة سيستغرق ساعتين على الأكثر، وبالتالي يمكن العودة إلى وسط المدينة قبل حلول الظلام، خاصة أن هناك عبّارات تبحر عائدة من هناك إلى وسط ستكهولم كل ساعة حتى وقت الغروب".. هكذا أخبرني موظف الاستقبال.

وقد كان من دواعي سروري أن الشمس لا تغرب في ستوكهولم في نهاية شهر يوليه قبل التاسعة والنصف مساءا، كما كان من دواعي سروري الأعظم أن "الدقائق" هنا لها ثمن، ولا خوف من الزحام الذي قد يفسد خطة امرأة بائسة مثلي في قضاء اليوم، فهنا يمكن استغلال وقت الإنسان، وبالتالي عُمره، فيما يفيد!

أمر غريب جدا بالنسبة لي، والأغرب هو إخلاص الموظف في عرض المعلومات الكاملة عليّ بهذه الدقة والترتيب.

انطلقت إلى مكان العبّارات التي تتجه إلى فاكسهولم، وكنت قد عرفت من موظف الفندق أن هناك عدد من الشركات تدير هذه الرحلات البحرية وكلهم تقريبا لهم نفس السعر والجودة.

وصلت لمكان معين يطل على الميناء وكان يوجد به بعض الزحام، وعرفت من بعض الموجودين أنهم ينتظرون (العبّارة) التالية التي ستغادر ستكهولم بعد وقت قصير، وأنه يمكن شراء التذكرة من داخل العبّارة.

انتظرت في "الطابور" وكان أغلب الواقفين يحملون حقائب كبيرة نسبيا، ولذلك توقعت أن البعض منهم يفضل الذهاب للجزيرة والمكوث بها لعدة أيام كنوع من السياحة.

وعندما تجاذبت أطراف الحديث مع سيدة شابة من المنتظرين حولي، عرفت أنها تذهب في نهاية كل أسبوع لمنزل والديها في مدينة فاكسهولم لتمضية العطلة معهما، ثم تعود مرة أخرى للحاق بعملها وحياتها الخاصة في مدينة ستكهولم، فالعبّارة بالنسبة لها ماهي إلا وسيلة مواصلات فقط لاغير.

استمعت إليها باهتمام، وفهمت سر وجود مسافرين يحملون حقائب سفر معي في طابور انتظار العبّارة، التي وصلت إلى الميناء في موعدها بدقة، ليبدأ الجميع في الصعود إليها بنظام ولكن بسرعة أيضا!

 وكان بعضهم يحمل حقائب عديدة، وعربات أطفال، مما كان يصعّب المهمة، ومع ذلك كان كل شيء يتم بآلية وبهدوء شديدين!

جاء دوري في الدخول وكان العامل ينبه كل من يدخل ويعيد التنبيه باستمرار، أن على كل راكب الانتباه للميناء الذي يرغب في المغادرة به، والقدوم للدور السفلي من العبّارة، لأنها تقف للحظات قليلة فقط ولا تنتظر أحدا، مهما كانت الأسباب، وذلك لعدم الإخلال بالجدول الزمني المحدد لحركتها.

دخلت وجلست قليلا في الدور السفلي، ثم قررت الاتجاه لسطح العبّارة للاستمتاع بمنظر مفتوح للمياه طوال الرحلة.

كنت أمنّي نفسي برحلة طويلة أستمتع خلالها بمنظر البحر بينما تقطعه العبّارة بلا منغصات، فالرحلة ليست جولة عادية، بل هي سفر لمدينة أخرى، وبالتالي كنت متحمسة جدا، ورغم أن الرحلة لن تستغرق سوى ساعة واحدة تقريبا، إلا إني كنت أظنها عند صعودي للعبّارة وقتا كافيا للاستمتاع، لكن عند مغادرتي لها اكتشفت أن ساعة واحدة هي وقت قصير جدا عندما نكون محاطين بالجمال، ولذا كان عزائي الوحيد أنه مازال أمامي رحلة العودة أيضا.

عرفت أن نفس العبّارة تتوقف عند عدد كبير من الموانئ، وأن مدينة فاكسهولم هي أقربهم ولذلك هي الرحلة الأقصر، ولهذا السبب نصحتني صديقتي السويدية بزيارتها.

دارت هذه الخواطر في ذهني وفكرت أنه ربما لو قمت بزيارة السويد مجددا، قد يتسع الوقت حينها لزيارة باقي الجزر والاستمتاع برحلة بحرية أطول، لكن الآن يتوجب علي الاستمتاع بهذه الرحلة القصيرة وعدم الطمع في المزيد.

سرح خيالي في مدينة القاهرة، وفكرت أنني لا يمكنني المخاطرة بالقيام برحلة من الدقي إلى التجمع الخامس فجأة بلا مقدمات مثلما فعلت هنا اليوم، أخذت عبّارة في منتصف اليوم، بعد الرابعة عصرا، وها أنا أتجه لجزيرة خارج العاصمة، ومن المفترض نظريا أن هناك وقت للاستمتاع والعودة قبل مغيب الشمس.. والأهم من ذلك أنني مازالت أتمتع بكامل طاقتي رغم استيقاظي في وقت مبكر جدا.. الأمر كله بمثابة معجزة بالنسبة لي!

كان المنظر من سطح العبّارة  أكثر من رائع، فكرت وقتها أنه حتى لو لم تكن وجهتي النهائية جميلة فيكفيني متعة الإبحار إليها.

طلبت من أحد الركاب التقاط بعض الصور لي، وما أن انتهيت حتى وجدت سيدة عجوزأنيقة ممسكة بكوب من الشاي في يدها ، لايقل عمرها في تقديري عن الثمانين عاما، تتابعني بابتسامة، ابتسمت لها لأشجعها على الحديث.

سألتني عن جنسيتي فأخبرتها أنني مصرية، اتسعت ابتسامتها وأشارت لبعض الركاب من ذوي الشعور الداكنة من أمثالي، وعلقت بود قائلة أنها مندهشة لأن العبّارة تمتلأ اليوم بعدد كبير من الزائرين من خارج السويد. شعرت أنها تريد الحديث وأن لديها فضول يضاهي فضول أية امرأة مصرية في سنها، وهو عكس الاعتقاد السائد بأن هذه الشعوب "باردة وفي حالها"!.

 كما أكد لي حديثها أن استنتاجي صحيحا، فرغم روعة المنظر خلال هذه الرحلة البحرية إلا أن معظم من في العبّارة مسافرون لأغراض غير السياحة، وأن هذا هو المتعارف عليه بشكل أو بآخر وفقا لما قالته السيدة، إذن فالعبّارة فعلا تستخدم كوسيلة مواصلات في المقام الأول بالنسبة للسويديين.

كنت أريد الاستطراد في الحديث معها، فهي لطيفة وفضولية، وأنا أشترك معها في الصفة الأخيرة، لكن أحدهم قام بتنبيهي أنا وباقي الركاببأن العبّارة ستتوقف الآن لأنها وصلت للميناء الأول، والأقرب طبعا من العاصمة، وهو ميناء فاكسهولم، وعلي الهبوط فورا إذا كنت أود المغادرة وعدم إكمال الرحلة إلى الجزيرة التالية.

أسرعت للدور السفلي، وبالفعل كان الأمر صعبا، فالعبّارة لاتنتظر أحدا، وهي تقف للحظات فقط، فبالكاد توقفَت وبالكاد غادرتها، لدرجة أنني قد قفزت تقريبا لرصيف الميناء.

 

 

                          

 ميناء فاكسهولم
ميناء فاكسهولم

كان النهار مشمسا، والمكان مشجعا على الاستكشاف، وهناك أكشاك سياحية ومكتب استعلامات، وخريطة كبيرة على حامل خشبي ضخم يزدحم السائحون حولها، توقفت قليلا أنظر إليها، ثم توجهت إلى مكتب الاستعلامات لأنني في هذه اللحظة لم أكن مستعدة لقراءة الخرائط بل كنت أفضّل التعامل مع "شحم ولحم" فلا طاقة لدي لبذل أي مجهود.

في غرفة الاستعلامات قابلتني فتاة يبدو أنها لاتريد الكلام أو مرهقة، على عكس كل من قابلتهم في هذه البلد طوال الأيام الماضية، وكانت تجيب بدقة عن الأسئلة، ولكن باختصار وبدون منح هامش المساعدة الذي يجعل صاحب السؤال ممتناً للغاية!

لكن لا بأس أن أكون ممتنة فقط، فهذا يكفي في هذه المدينة الصغيرة التي عرفت بعدها أن عدد سكانها لا يتجاوز الـ 5000 مواطن.

عرفت منها أن هناك عدد من الأماكن والمباني الأثرية التي يحب السائحون زيارتها، وأخبرتني أن آخر عبّارة متجهة للعاصمة ستكهولم ستبحر من الجزيرة بعد ثلاث ساعات تقريبا.. خرجت من المكتب وتلفتت حولي كي أقرر كيف سأقضي هذه الساعات الثلاث.

وللحديث بقية بإذن الله..

التعليقات