البحث عن فضيحة

البحث عن فضيحة

الرغبة فى تحقيق أعلى نسبة مشاهدة أصبحت سبقا لا يتوقف بين القنوات الفضائية والمواقع الصحفية، وفخ وقع فيه كثير من الإعلاميين، ممن أنساهم «الترافيك» القيم والمبادئ وربما أنساهم أيضا تاريخهم المهنى.

أعترف أن آليات العمل الإعلامى اختلفت كثيرا عن ذى قبل، والحكم على أداء الإعلامى نفسه لم يعد مقصورا على المحتوى المقدم، ولكنه أصبح محكوما باستهدافات ومتابعات وسوق ضخم هى سوق السوشيال ميديا والديجتال ماركتنج وما ورائهما من خلفيات ضخمة أصبحت هى المحرك الرئيسى لدنيا الميديا.

كان بالإمكان التوفيق بين هذا الواقع الذى فرض نفسه، وبين الحفاظ على المعايير المهنية، بل وتطويرها بما يتفق مع التوجهات الجديدة لدنيا الميديا.

لكن يبدو أن حالة الاستعجال على تحقيق نسبة زيارات ومشاهدات أخذت فى وجهها كل المعايير الأخرى بعدما استسلم لها الإعلاميون ودخلوا فى سباق مهين للبحث عن الفضائح أو ربما صناعة الفضائح، من خلال افتعال قضايا تشغل الرأى العام، حتى ولو كانت هذه الفضائح، عبر الدخول إلى مناطق محظورة اتفقت الأعراف الإعلامية على خطورة الدخول إليها، لأن إثمها أكبر من نفعها، مناطق شائكة فى العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو مناطق ملغمة فى العقائد والأخلاق، أو مناطق تمس من وحدة وأمان المجتمع.

كل ذلك لم يعد مهما ولا قيمة له فى مقابل عدد الزيارات ونسبة المشاهدة ولعبة السوشيال ميديا المعتادة، (شاهد الفضيحة.. بالفيدو كذا.. لن تصدق كذا.. 5 أسباب لن تصدق السبب الثالث) وغير ذلك من القوالب السخيفة التى تتسول المتابعات.

خطورة هذا النمط، لا تقتصر فقط على مردوده الاجتماعى السلبى، ولكنه يتجاوز ذلك إلى تفريغ الرسالة الإعلامية من مضمونها بسبب وأد الكوادر القادرة على الإبداع الإعلامى، بسبب هذه الأجيال التى غابت عنها ثقافة المهنية، لصالح ثقافة الترافيك.

الذى يغيب عن أصحاب هذا المنهج، أنه عاجلا أو آجلا، سوف يكتشف المتلقى عدم صدق هذه الأنماط الخادعة، ووقتها لن يكون لدينا الكوادر القادرة على صناعة محتوى إعلامى محترم، بعيدا عن تلك الموجة التى نشأت بسبب غياب الثقافة العامة عن الشعب، الذى سيطرت عليه حالة من الهمجية، التى يحركها انعدام الرؤية وانعدام الهوية، وعدم القدرة على تقدير الأمور التقدير الصحيح، فأصبحت الغالبية العظمى من الناس مجرد ببغاوات مقلدين، تحركهم الحالة، دون دراية بما ورائها، فإن ذلك بمثابة مؤشر خطير إلى أن هذه الجموع أصبحت بلا هوية ولا ثوابت.

علينا أن ندرك قبل فوات الأوان أن المسالك الإعلامية السلبية تكمن خطورتها فى خلخلة فكر المجتمعات وقيمها ونسيجها المترابط، وإعاقة حركة نهوضها وتقدمها وتنميتها البشرية، وقليل قدرة المواطن على أن يبذل جهدًا عقليًا منظمًا لتطوير نفسه وبناء ذاته، وتطوير مجتمعه، هذا بالإضافة إلى استنزاف أوقات الشباب وطاقاتهم، وإلهائهم عن حياتهم، وإغراقهم فيما لا يعود عليهم بالفائدة، وكذلك استغلال الموارد المالية للمشاهدين، واستنزاف قدراتهم المادية، بأساليب متعددة ومتنوعة، وأيضا تحويل الشباب إلى مستهلكين شديدى الولاء للجوانب السلبية فى الثقافات الأجنبية، فلا يتم تسويق قيم العمل وأخلاقه، ولا البحث العلمى وأدواته، ولا الالتزام المجتمعى ومؤسساته، ولا الحراك الحضارى وآلياته، وإنما يقوم الإعلام السلبى بتسويق أخلاقيات الشوارع المظلمة، والطبقات السفلى من الثقافات الأجنبية.
الأخطر من كل ذلك تغيير وتبديل وقلب المفاهيم، وتزييفها أمام المشاهدين، فالإعلام السلبى يجعل اللصوصية بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والاحتيال ذكاء، والعنف هو أقصر الطرق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرر، وبر الوالدين ذل، والزواج رق واستعباد، والنشوز حق، والعفة كبت.

فإذا بنا نصل إلى محتوى إعلامى يساعد على إثارة الغرائز الجنسية، وتشجيع انتشار الرذيلة، والترويج لشرب الخمور، وتناول المسكرات، وتعاطى المخدرات، ولا يكون ذلك بإعلانات مباشرة، ولكن بالتضمين والإدراج والإيحاء، فى سياق المحتوى الإعلامى، الذى يجعل من هذه الانحرافات شيئًا شهيًا مغريًا، يحفز الإنسان لتجربته.

التعليقات