الصفحة البيضاء

الصفحة البيضاء

 

هل تذكرون المشهد الشهير فى فيلم «النظارة السوداء» المأخوذ عن رواية قصيرة لإحسان عبد القدوس، حين فتح المهندس صفحة من دفتر أمام ماجى، وأخبرها أن حياتنا مثل هذه الصفحة الناصعة البياض، نحن الذين نملأها بالشخابيط، أو بالكلام الذى يتضمن معانى عظيمة.

 هكذا علاقتنا بالورق الأبيض، وهو من الأشياء المقدسة فى الحياة، إما أن نستعمله فى كل ماهو نبيل، أو فى ممارسة آلاف الأنواع من الجرائم أغلبها التزوير فى شهادات الميلاد والممات، وضرب الأرصدة والشيكات، والغش بكافة أشكاله.

باعتبارى كاتبا فإننى تعاملت دوما مع الورقة البيضاء على أنها شىء مقدس للغاية، أحرص أن أكتب عليها كل ماهو جاد ومفيد، وظللت وفيا لها فى كل مراحل حياتى، وعندما جاء زمن الرسائل الإلكترونية والفيسبوك تحولت الصفحة الورقية البيضاء الورقية إلى مساحة فارغة إلكترونيا، وتصاعد استخدام هذه المساحة من الجميع، وفى زمننا هذا قام كثيرون بتسويد ماكان أبيض بكتابات تافهة سواء فى عالم الصحافة، أو التربية والتعليم، وخصوصا فى صفحات الفيس، الذى امتلأ بكثير من وجوه الاضمحلال الثقافى بكافة أشكاله، وبدلا من السعى نحو الجدية والإحساس بالعمق، وأن نكتشف أهمية الكلمة فى المساحات المتسعة فإن الكلمة انهارت، ووصل الأمر إلى الصورة بدرجات أخف، وصارت الصفحات سوداء معتمة تبعث على الاكتئاب، وتجعل من يعرفون معنى الكلمة الأفضل، يندمون على ماحاق بالمعانى الجميلة، والنبل الذى تضاءل.

 إذا أردت التأكد افتح صفحتك وواصل القراءة لمدة ساعة واحدة فقط. 

التعليقات