الفضيل بن عياض «اللص التائب»

الفضيل بن عياض «اللص التائب»

أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي ثم اليربوعي.ز عربي من قبيلة تميم.. ولد بخراسان، وكان أبوه معروفا بالخشية والتقوى، وفيه وفي ابنه الفضيل يقول سفيان بن عيينة : " ما رأيت أحدا أخوف لله من الفضيل وأبيه ".

كان الفضيل في بدايات حياته لصا قاطعا للطريق، يقول الذهبي في (سير أعلام النبلاء) : " كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم  "فلما سمعها قال : بلى يا رب قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم : نرحل، وقال بعضهم : حتى  نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا.

قال الفضيل : ففكرت، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين هاهنا، يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام ".

ومن ساعتها وقد تاب الفضيل توبة صادقة، قال عنها الذهبي

: "وبكل حال فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة. فنواصي العباد بيد الله، وهو يضل من يشاء، ويهدى إليه من أناب".

ولك أن تتخيل كيف أصبح هذا اللص قاطع الطريق، واحداً من عشرة كانوا لا يأكلون إلا الحلال الصافي.. قال أبو بكر المقاريضي المذكر : سمعت بشر بن الحارث يقول : عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال، لا يدخلون بطونهم إلا حلالا ولو استفوا التراب والرماد. قلت : من هم يا أبا نصر؟ قال : سفيان، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وابنه، وسليمان الخواص، ويوسف بن أسباط، وأبو معاوية نجيح الخادم، وحذيفة المرعشي، وداود الطائي، ووهيب بن الورد ".

وقال أبو وهب محمد بن مزاحم : سمعت ابن المبارك يقول : رأيت أعبد الناس عبد العزيز بن أبي رواد، وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثوري، وأفقه الناس أبا حنيفة، ما رأيت في الفقه مثله.

وكان الفضيل كبير التعظيم لربه الذي امتن عليه بالتوبة والهداية.. وكان يقول : من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.

قال إبراهيم بن الأشعث : ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذكر الله، أو ذكر عنده، أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكى حتى يرحمه من يحضره، وكان دائم الحزن، شديد الفكرة، ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غيره. كنا إذا خرجنا معه في جنازة لا يزال يعظ، ويذكر ويبكي كأنه مودع أصحابه، ذاهب إلى الآخرة، حتى يبلغ المقابر، فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن والبكاء، حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها.

وكان الفضيل ورعا كأصدق وأنقى ما يكون الورع، وكان يقول : لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق، وطلب الحلال، فقال ابنه علي : يا أبت إن الحلال عزيز. قال : يا بني، وإن قليله عند الله كثير.

وكان الفضيل يرى أن : أكذب الناس العائد في ذنبه، وأجهل الناس المدل بحسناته، وأعلم الناس بالله أخوفهم منه، لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه.

وكان له رأي عميق في مسألة الرياء والإخلاص، فهو القائل : ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما.

وقد بلغ من حرصه في معاملة الآخرين وعدم الإساءة إليهم ولو بكلمة أو إشارة، بلغ في ذلك مبلغا عظيما لخصته كلماته تلك : إن الله لم يحل لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حق، فكيف تؤذي مسلما.

وكان للفضيل فلسفة راقية وشاملة في الزهد والتصوف،تبدأ من ترك حب الشهرة والذكر، فكان يقول :من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر.

ولما قيل له: ما الزهد؟، أجاب: القنوع، قيل: ما الورع؟ أجاب: اجتناب المحارم. قيل: ما العبادة؟ أجاب: أداء الفرائض. قيل: ما التواضع؟ أجاب: أن تخضع للحق.

وسأله عبد الله بن مالك ذات يوم: يا أبا على ما الخلاص مما نحن فيه؟ قال: أخبرني، من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا. قال: فمن يعصى الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا، قال: هو الخلاص إن أردت الخلاص.

وكانت ثقة الفضيل وطمعه في رحمة الله بلا حد أو نهاية،فكان يقول : وعزته، لو أدخلني النار ما آيست منه.

وكان في مرضه يناجي ربه قائلا: ارحمني بحبي إياك فليس شيء أحب إلي منك.

وكان له رؤية بديعة ومتوازنة في مسألة (الخوف والرجاء)،

لخصها في تلك الكلمات : الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل.

التعليقات