الإصلاح الدينى الذى يحتاجه المسلمون (1 ـ 2)

الإصلاح الدينى الذى يحتاجه المسلمون (1 ـ 2)

هناك من يتعجب من عنوان بهذا الوضوح، ويسأل بعينين متسعتين دهشة: وهل الإسلام يحتاج إلى إصلاح؟ ولو أن ذلك السائل المندهش أتعب نفسه فى التفكير والبحث والقراءة فى كتب التاريخ  والفقه والتفسير والاجتماع الدينى وقبل ذلك فى الأديان المقارنة لأكتشف أن الإسلام تم اختطافه، وما لدينا منه لم يعد على حاله الذى تركه الرسول عليه الصلاة والسلام، وتحول جوهره القائم على قيمتين مركزيتين هما: التوحيد والرحمة، إلى أشكال أخرى من الأيديولوجيات والأساطير والفلكور والتجارة والعصاب النفسى، واستعملته أو وظفته مؤسسات وأفراد على مدار التاريخ، حتى لم نعد نراه، من الحمولات الثقيلة التى تراكمت عليه، وطمرت الينابيع الكبرى منه، أو أتت على طبيعته وجوهره، مثلما سبق أن جرى لمختلف الأديان، ومن ثم فإنه يحتاج إلى إصلاح.

سيقول «السلفيون» نحن الأولى بهذا، لأننا نطلب العودة إلى الأصول، لكن رأى هؤلاء يفتقد تماما إلى المنهج العلمى الذى يبحث عن الحقيقة لا مجرد «الدليل الشرعى» المستمد من النص وتأويله والتاريخ ووقائعه. فما تم تدوينه فى القرن اللاحق على وفاة الرسول الكريم لا يمكن أن يكون هو ما جرى بدقة، بل أضيف إليه الكثير مما أنتجته المخيلات ومقتضيات المصالح وتطور المجتمعات وتنوعها وتعدد الأفهام والرغائب. كما أن المنهج الذى يتبعه هؤلاء للوصول إلى المنبع هو صناعة بشرية تتلاحق فيه سلسلة متقطعة عبر تاريخ المسلمين (ابن حنبل ـ ابن تيمية ـ ابن عبد الوهاب) وبينهم الكثير من التلاميذ والأتباع. ولو أن السلفيين يعترفون بأنهم مجرد اجتهاد أو تصور فى الإسلام لهان الأمر، لكن من أسف فهم يتوهمون أنهم «صحيح الدين»، وتفعل مثلهم الكثير من الفرق والجماعات والتنظيمات التى اشتغلت بالدين أكثر مما تنشغل به، وحولته إلى مادة استعمالية لتحقيق أهداف وغايات أبعد من تكون عن الدور الذى ينتظره الناس من الدين، بل ما يرجونه من الله سبحانه وتعالى، وهو الامتلاء الروحى والسمو الأخلاقى وإعلاء قيم الرحمة والحرية والمساواة والكرامة والسعادة والخيرية.

ويقول كثيرون إن كل شىء فى القرآن الكريم، فهو «النص المؤسس» للإسلام، وما دام بين أيدينا فبوسعنا أن نعود إلى أصل الدين الذى أُنزل على محمد (ص). وينسى هؤلاء أربعة أمور، الأول أن القرآن تم نسيانه مع الأيام، فأصبح كتابا يُقرأ للتبرك به، أكثر مما يتم تدبر ما فيه وفهمه على نحو عادل دقيق، وإعمال مناهج العلم الحيدث فى الاقتراب منه. وحلت محل القرآن، وإن كان أغلبنا لا يدرون، نصوص أخرى بشرية، أصبحت هى التى تفسره، وتوضح معانيه ومراميه، وبالتتابع تراكمت عليه وغطته، فصرنا لا نراه. والثانى هو أن القرآن طالما يُقرأ مجتزأ ، بما يُغيِّب حضوره الحقيقى والطبيعى فى حياتنا، ويجعله مناطا للتلاعب من قبل المتطرفين والمغرضين، فسيتخدمونه بما يبرر سلوكهم المعوج، ويلبى احتياجاتهم حتى لو عارضت جوهر الدين، ويحقق منافعهم مهما كان بها من شر. ومع أننا نقول فى حياتنا السياسية والقانونية إن «الدستور» لا يقرأ إلا كوحدة عضوية، لأن كل مواده يفسر بعضها بعضا، وكذلك النص الأدبى، يُفهم جزأه فى إطار كله، فإن كثيرا ممن يتعاملون مع القرآن لا يدركون هذا، ويأخذون آيات فرادى، ويطبقونها على وقائع بعينها، زاعمين أن هذا هو موقف الله الذى أنزل القرآن. والثالث أن القرآن تفاعل بمرور الزمن مع حياة المسلمين، وبعضهم استغله بدءا من واقعة التحكيم بين على ومعاوية وانتهاء بما تسلكه الجماعات المتطرفة فى زماننا. والرابع أن القرآن لا يترك حرا، ليفهمه الناس على أنه نص مفارق لزمانه ومكانه، بل هناك من يتمسك بأسباب نزوله فيقضى بتاريخيته، ومن ثم انقضائه. وهناك من يزعم دوما أنه هو من يفهم مقصده، ومثل هؤلاء طالما أساءوا إليه حين تمسكوا بحرفيته، وغنائيته، فانشغلوا بهامشه عن متنه، وبمظهره عن مخبره.

 لكل هذا فإن ما نحتاجه الآن هو «إصلاح دينى»،  يجعلنا نمتلك «خطاب دينى جديد» وليس مجرد الاكتفاء بالحديث عن «تجديد الخطاب الدينى»، الذى لا يتعدى طلاء جديدا لجدار قديم متهالك، يريد أن ينقض. والتذرع بأن الإصلاح الدينى يخص المسيحية الغربية فقط وليس الإسلام أمر يدعو إلى السخرية، فبعض التصورات والمؤسسات الدينية الإسلامية باتت تلعب الدور المعوق نفسه الذى كان يلعبه الدين فى أوروبا، وعلماء الدين فى بلاد المسلمين يقولون ليل نهار إنه لا كهنوت فى الإسلام، لكنهم فى تصرفاتهم وتصوراتهم ودفاعهم عن مصالحهم الذاتية بدعوى أنها الدين يتحولون إلى كهنوت بشكل صارخ. وهناك رؤى فقهية وتفسيرات وأحاديث منسوبة للرسول، عليه الصلاة والسلام، وتواريخ وسير من العهد الأول تحتاج إلى مراجعة شاملة، كذلك نحتاج إلى الإجابة عن السؤال المهم حول ما إذا كان القرآن نصا أم خطابا.

وكما سبق الذكر لا مجال للحديث عن إصلاح دينى دون خمسة شروط أولها أن نقر بأن الإيمان مسألة فردية، لا دخل لأحد فيها سواء كان عالم دين أم غيره، وأن نعتبر العقل مكمل لمسار الوحى وليس خصيما له ولا نكتفى بمجرد التلفيق بين الأول والثانى، كما يفعل الوعاظ حاليا، وأن نلتفت إلى الجوانب الأخلاقية ونراها هى جوهر الدين وليست الطقوس، ونهتم بالإصلاح الاجتماعى وأن يكون الدين رافعة له وليس خصما منه، وأن نميز بشكل واضح لا لبس فيه بين الدين والسلطة السياسية التى يجب أن تكون مدنية، والسيادة فيها للناس، والتشريعات للمؤسسات التى يختارونها.

ومن يطالع تفكير وتدبير الجماعات الدينية السياسية قد يستقر فى يقينه أن «الإصلاح الدينى» بات أمرا ضروريا كى يكون مستقبل العرب والمسلمين مختلفا. فكثير من المشكلات التى تعترض طريق التقدم، والأزمات التى تنشب بين حين وآخر، سياسية كانت أو فكرية، سببها أنه يوجد طيلة الوقت من يستدعى الماضى إلى الحاضر، ليس للاستفادة واتخاذ العبر أو تلمس طريق الأصالة إنما لإزاحة الراهن تماما، وكأنه دنس ورجس ومتخلف ومتوقف، لحساب ما جرى فى القرون الغابرة باعتباره بالضرورة مقدس وطهور ومتقدم ومنطلق، وهذا التصور يغفل تماما أن للقدماء أخطاءهم الشديدة، التى سجلها المؤرخون الثقات.

و«الإصلاح الدينى» فى هذا المقام لا يعنى بالطبع تعديل الدين ولا تبديله، لكنه يعنى إعادة التفكير فى الأنماط الفاسدة من «التدين» التى تحول الدين إلى أيديولوجيا أو فلكلور أو تجارة أو عصاب نفسى أو أساطير، وتغربل فى الوقت نفسه الكثير من «علوم الدين» التى تستعين، اقتباسا واقتطافا وإحالة واستعادة، لكتب السابقين من الفقهاء أو الرواة، وإضفاء قداسة عليها.

 وبالنسبة للجماعات الدينية السياسية والدعوية أيضا فإنها لن تطور أفكارها وتصوراتها إلا إذا نظرت بجدية وتجرد وعلمية فى أمور أربعة هى:

1 ـ وضع حد فاصل بين الوحى والتاريخ، فالأول أصل يُبنى عليه، والثانى تجربة يمكن الاعتبار بها، دون أن تكون قاعدة للقياس أو معيارا للحكم على الأفعال والتصرفات والآراء اللاحقة، ودون أن تمنح أى قدر من القداسة لأى سبب أو ذريعة.

2 ـ وضع حد فاصل بين النص والخطاب، أى بين القرآن كنص محكم نهائى واحد، وبين أى من الروايات المتعددة القابلة للمراجعة والغربلة أو الآراء الفقهية التى هى إنتاج بشرى تجب مراجعته ونقده باستمرار.

3 ـ وضع حد فاصل بين المبادئ أو القيم العامة والأساسية التى حددها الإسلام وبين وسائل التجسيد الاجتماعى والتاريخى لها، بحيث يصبح الباب مفتوحا على مصراعيه أمام تجديد الوسائل من دون جور على المبادئ أو تحريف لها، ولا يتم الاقتصار على وسائل ثابتة والتجمد عندها، فبعضها أن كان قد ثبت جدواه فى الماضى، وأفلح فى الوصول إلى الأهداف والغايات المرجوة، فقد لا يكون صالحا لزماننا هذا.

4 ـ وضع حد فاصل بين مكانة الرموز الدينية التاريخية، حتى لو كانوا من الصحابة، وبين قدسية المبادئ التى أقرها الإسلام. فالشخص يستمد مكانته من الالتزام بالمبدأ والعمل على خدمته، فإن انحرف عن هذا فقد مكانته. والإسلام لا يجعل لشخص حجة عليه، إنما هو حجة على الجميع. والرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.

ومن حيث المبدأ يتحدث أتباع هذه الجماعات بطريقة تبين أنهم لا يخاصمون هذه الحدود الأربعة تماما، وأنهم حريصون على البحث عن «النابع» أو الأصل وليس «الوافد» أو الدخيل، لكنهم حين يشرعون فى ترجمة هذا التصور فى خطاب، أو محاولة تطبقيه فى الواقع المعيش، يقعون فى أخطاء فادحة، سواء من حيث خلط «الإلهى» بــــ«البشرى» وتماهى «النص» مع «الخطاب» وإنكار اختلاف السياق الاجتماعى بما فيه من مشكلات وتحديات عن تلك التى واجهها الأقدمون.

  وهناك تجمعات دينية متزمتة ومتطرفة بدأت تطرح تساؤلات حول بعض هذه الإشكالات لاسيما فى ظل حالة الانكشاف الفاضح لها فى البلدان العربية التى تقدموا فيها خطوات واسعة نحو السلطة السياسية. فهؤلاء حين عرضوا التصورات الراكدة فى أذهانهم على الواقع المعقد، متوهمين أن بوسعها أن تذلل الصعب وتيسر العسير وتقدم إجابات شافية وكافية عن الأسئلة المتجددة، فشلوا بشكل واضح وفاضح، وبدأ بعضهم يعطى «مصالح» الناس وزنها الذى تستحقه، ويوسع باب الاجتهاد حتى يلحق بها.

لكن سيظل دوما من يرفض التغيير، وينعت كل من تغير نحو الأفضل بأنه فرط فى الشرع أو ابتدع فى الدين وجدف به، وسيجد من ينصت إليه فى إعجاب وولع ويتبع خطاه فى صمت وعَمَى، لتبدأ حلقة جديدة من مسلسل السلفية، فتبرق عقب خفوت، وتتمدد بعد انكماش، وتهز قلوب كل الذين يعتقدون أنها «الحل السحرى» لمشكلات الواقع وأزماته التى لا تكف عن التجدد والتعقد والتوحش.

(ونكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى) 

التعليقات