مذكرات عمرو موسى وتاريخ مصر المظلوم

مذكرات عمرو موسى وتاريخ مصر المظلوم

بعيدا عن الأزمات الكثيرة التى زامنت نشر مذكرات عمرو موسى، والتى لا أعلم هل هى بالفعل أزمات حقيقية ناشئة عن قراءته للمشهد، أم هى أزمات مفتعلة هدفها الترويج للمذكرات، بحسب سامح عاشور نقيب المحامين، الذى وصفها بقوله، «إذا حُذِفَت قصة شراء عبد الناصر للطعام من سويسرا من مذكرات عمرو موسى فلن يصبح لها قيمة»، مؤكدا أن الأمر ليس سوى حركة ذكية من الناشر فى أن يضع قضية تشد الرأى العام وتلقى الأضواء عليه سواء كانت صحيحة أو لا.

بعيدا عن هذه الأزمات، مذكرات عمرو موسى وضعتنا مرة أخرى أمام محك غاية فى الأهمية وهو محك التأريخ للوقائع المصرية.

لقد اكتشفت مؤخرا أننا للأسف الشديد لا نملك قراءة متفقا عليها للتاريخ المصرى الحديث، كل ما يقال إما اجتهادات شخصية، أو مذكرات تخضع لرؤى وهوى ومزاج وميول صاحبها.

تضاربات وتناقضات خطيرة فى الحدث الواحد، تطالعه فى أكثر من مصدر ولكل مصدر روايته، التى يدعمها بمرويات أشخاص يشاركونه نفس الخلفية الفكرية والثقافية، هو للأسف الشديد على قناعة تامة بخلفياته قبل الشروع فى الكتابة والتدوين.

المشكلة من وجهة نظرى ليست فى من يكتبون، فالمتابع الجيد للحركة الفكرية والثقافية والسياسية فى مصر يستطيع بمنتهى البساطة أن يفرز ويصنف بل ويجنب، لكن المشكلة الحقيقية فى من يكتب إليهم، فى جيل لم يعاصر حتى من عاصر الأحداث التى تنقل للرأى العام.

فجيلى مثلا لم يعاصر كثيرا من الأحداث التى كان يؤرخ لها الأستاذ هيكل، وعلى الرغم من مكانته كنت وغيرى نتحرى ما يقوله وما يكتبه ونعرضه على من عاصر هذه الأحداث، فإذا وجدنا إجماعا عليها، فهى بالنسبة لنا الحقيقة، وإذا وجدنا ولو رأيا واحدا يخالفها نقبنا وراءها حتى نجد من يدعم الرواية الصادقة.

الوضع الآن لم يعد كذلك، وبالتالى فإن الحديث عن التاريخ أصبح يستلزم أكثر من أى وقت مضى معايير علمية تعرض عليها هذه الأحداث.

لقد استوقفنى من بين كل الأزمات المصاحبة لمذكرات عمرو موسى أزمتان، لا يجب أن يمرا مرور الكرام.

الأزمة الأولى وهى أزمة طعام عبد الناصر، التى انبرى كل الناصريين للرد عليها، لكن بعيدا عن الرد عليها، وما إذا كان الرد مقنعا أو غير مقنع، فما قاله عمرو موسى عن طعام عبد الناصر الذى كان يستورده من سويسرا، مثَّل بالنسبة لى صدمة كبيرة تستحق أن تقف عندها لأنها إن صدقت، فإن ذلك يعنى تدمير الجزء اليسير، مما استطعت أن أعتبره ثوابت.

بالتأكيد لست ناصريا، ولم أعاصر حتى حكم عبد الناصر لمصر حتى أرد على ما قاله عمرو موسى.

والحقيقة لا يشغلنى أن عبد الناصر كان هذا الرجل أم ذاك، لكن الذى يشغلنى أن عبد الناصر اتفقت معه أم اختلفت، لم يكن بذاك الشخص المسرف الذى تبلغ درجة إسرافه إلى أن يجلب طعامه اليومى من سويسرا.

لو أن عمرو موسى انتقد أداء سياسيا أو اقتصاديا لجمال عبد الناصر، فلا ضير، فقد سبقه كثيرون، لكن الخطورة أنه تحدث فى منطقة اتفق الجميع على أنها لم تكن موجودة لدى عبد الناصر.

أن يجزم عمرو موسى بعكس ذلك الآن فنحن أمام أمران، كلاهما أخطر من الآخر، فإما أن يكون عبد الناصر بالفعل كما قال موسى وتلك مصيبة، لأنها تثبت أن كل قناعاتنا التى ترسخت وتكونت وتشكلت عن شخصية أشخاص تاريخيين بحجم الرئيس جمال عبد الناصر، قناعات غير صحيحة، وبالتالى فإن ثقافتنا مبنية بلا أساس صلب يمكن أن نؤسس عليه.

وإذا افترضنا أن معلومات عمرو موسى هذه ملفقة، كما قال من رد عليه، فمن يقول إذن المعلومات الصحيحة، إذا كان شخص بحجم ومكانة عمرو موسى يقول معلومات ملفقة؟

أيضا حديث عمرو موسى فى مذكراته عن نكسة 67، حيث أشار إلى أن القرار السياسى الذى أدى إلى الحرب كان بالقطع خاطئًا، وحساباته غير دقيقة، وتوقعاته غير سليمة، تكاد تصل إلى حد المقامرة، ولم يكن يصح أن نعرّض بلدنا لهذا التحدى المدمر.

هذا الحديث فى الحقيقة ليس بالحديث الجديد، فقد سبقه كثيرون إليه، لكن ما صدمنى حقا هو رد سامى شرف، مدير مكتب عبد الناصر، الذى قال «أزمة 67 أعقد من تسطيحها فى كلام فارغ، أدعو عمرو موسى لمراجعة آلاف الوثائق عما جرى فى الحرب».  

وهنا مكمن الخطورة، أن يكون عمرو موسى أحد أشهر وزراء خارجية مصر، بل أحد أشهر وزراء الخارجية العرب، وأمين عام جامعة الدول العربية، لا يعرف شيئا عن وثائق 67 وحديثه عنها حديث سطحى وكلام فارغ، فتلك مصيبة، المصيبة الأكبر أن يكون سامى شرف قد شارك فى إخفاء وثائق ما، حتى إن الحديث عن النكسة بمثل ما قاله عمرو موسى تسطيح للقضية.

أظننا الآن فى حاجة ماسة لوقف نزيف الآراء الذى قد يتسبب فى شتات هوية هذا الجيل الذى لم يجد أمامه إلا الدراما والمذكرات الشخصية لاستقاء المعلومات التاريخية، نحن فى حاجة لإعادة كتابة تاريخ مصر الحديث كتابة أكاديمية بريئة من الميول والأهواء.

التعليقات