إبراهيم بن أدهم (2-2)

إبراهيم بن أدهم (2-2)

في كتابه (إبراهيم بن أدهم شيخ الصوفية) يقول الدكتور عبد الحليم محمود : "لقد أخذ إبراهيم بن أدهم يبشر بالأخلاق كما رسمها الله سبحانه في محكم كتابه, وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان من ثمرة ذلك مجموعة من النصائح والمواعظ والحكم من أنفس ما يكون..وهو وإن لم يضعها في نظام مذهبي على الوضع الحديث ، فإن الميزة التي تتسم بها هي بقاؤها مشربة  بطابع النضرة, وبطابع الروحانية" .

ومن أقواله المحفورة في الذاكرة الصوفية :

"على القلب ثلاثة أغطية: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص، الحريص محروم. وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط، والساخط معذب. وإذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل. ودليل ذلك قول القرآن: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم".

" كل سلطان لا يكون عادلاً فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيًّا فهو والذئب سواء، وكل من ذلَّ لغير الله، فهو والكلب سواء".

"الفقر مخزون في السماء، يعدل الشهادة عند الله، لا يعطيه إلا لمن أحبه" .

و يقول صاحب (الرسالة القشيرية ) وكان إبراهيم بن أدهم كبير الشأن في باب الورع .. ولما سئل بما يتم الورع قال: "بتسوية كل الخلق من قلبك, واشتغالك عن عيوبهم بذنبك, وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل.. فكر في ذنبك, وتب إلى ربك, يثبت الورع في قلبك, وأحسم الطمع إلا من ربك".

وإذا صدق الورع أسلم إلى الزهد.. وفي هذا يقول ابن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف فزهد فرض, وزهد فضل, وزهد سلامة
فالفرض: الزهد في الحرام, والفضل:الزهد في الحلال, والسلامة: الزهد في الشبهات.

ويحكى عنه أنه قال: "أطب مطعمك، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار".

وحدث ذات مرة أنه كان يحفظ كرما، فمر به جندي، فقال: أعطنا من هذا العنب فقال إبراهيم بن أدهم: ما أمرني به صاحبه.فأخذ يضربه بسوطه، فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله. فأعجز الرجل ومضى.

 وقيل لإبراهيم بن أدهم: إن اللحم قد غلا!.
فقال: أرخصوه أي: لاتشتروه  .. وأنشد في ذلك:

وإذا غلا شيء علي تركته

فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

وفي (الرسالة القشيرية ) : أخبرنا محمد بن الحسين، رحمه الله تعالى، قال: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن حامد يقول: سمعت أحمد بن خضرويه يقول: قال إبراهيم بن أدهم لرجل في الطواف: أعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات: أولاها: تغلق باب النعمة، وتفتح باب الشدة.
والثانية: تغلق باب العز، وتفتح باب الذل.
والثالثة: تغلق باب الراحة، وتفتح باب الجهد.
والرابعة: تغلق باب النوم؛ وتفتح باب السهر.
والخامسة: تغلق باب الغنى، وتفتح باب الفقر.
والسادسة: تغلق باب الأمل، وتفتح باب الاستعداد للموت.

ولأنه كان يعلم ما عند الله من رحمة وتودد إلى العباد مهما كانت تجاوزاتهم ، فقد كان إبراهيم  ابن أدهم يوقن دائما أن باب التوبة مفتوح، لكنه مشروط، وفي هذا يقول:

" من أراد التوبة، فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس، وإلا لم ينل ما يريد".

وفي ذات السياق يؤكد : " لا تُنال جنته إلا بطاعته، ولا تنال ولايته إلا بمحبته، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته، فإن الله تعالى قد أعد المغفرة للأوابين، وأعد الرحمة للتوابين، وأعدّ الجنة للخائفين، وأعدّ الحور للمطيعين، وأعد رؤيته للمشتاقين، قال الله تعالى: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) .

وقد ‏أتى إليه رجل فقال: يا أبا إسحاق إني مسرف على نفسي، فاعرض علىّ ما يكون لها زاجرا ومستنقذا.

فقال إبراهيم: إن قبلت خمس خصال، وقدرت عليها لم تضرك المعصية.

قال: هات يا أبا إسحاق.

قال: أما الأولى: فإذا أردت أن تعصى الله تعالى، فلا تأكل من رزقه.

قال: فمن أين آكل، وكل ما في الأرض رزقه؟

قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتعصيه؟

قال: لا… هات الثانية.

قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئاً من بلاده؟

قال: هذه أعظم، فأين أسكن؟

قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكل رزقه، وتسكن بلاده، وتعصيه؟

قال: لا… هات الثالثة.

قال: وإذا أردت أن تعصيه، وأنت تأكل رزقه، وتسكن بلاده، فانظر موضعاً لا يراك فيه فاعصه فيه؟

قال: يا إبراهيم! ما هذا؟ وهو يطلع على ما فى السرائر؟

قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكل رزقه، وتسكن بلاده، وتعصيه وهو يراك ويعلم ما تجاهر به وما تكتمه؟

قال: لا... هات الرابعة.

قال: فإذا جاءك الموت ليقبض روحك، فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحاً، وأعمل لله صالحاً.

قال: لا يقبل منى؟

قال: يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب، وتعلم أنه إذا جاءك لم يكن له تأخير، فكيف ترجو وجه الخلاص؟

قال: هات الخامسة.

قال: إذا جاءك الزبانية يوم القيامة، ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم؟

قال : إنهم لا يدعونني .

قال: فكيف ترجو النجاة إذن؟

قال: يا إبراهيم، حسبي، حسبي، أنا أستغفر الله وأتوب إليه.

ثم تاب توبة نصوحا و لزم العبادة، واجتنب المعاصي حتى آخر العمر .

 

التعليقات