وطء الزوجة الميتة وتجديد الخطاب الدينى

وطء الزوجة الميتة وتجديد الخطاب الدينى

 

أجدنى مضطرًّا إلى معاودة الكتابة مرة أخرى عن موضوع الخطاب الدينى، خاصة بعد أسطوانة الفتاوى الشاذة التى تعود من جديد لتملأ فضاءات شاسعة من (اللت والعجن) الذى لا نهاية له، وكأن الجميع ينتظر هذا الصيد الثمين فيصنع منه حالة إعلامية يظل المجتمع بكل أطيافه يتحدث عنها إلى أن تظهر حالة جديدة.. وهكذا تدور الأسطوانة.

فتوى الموسم هى ما أفتى به الدكتور صبرى عبد الرؤوف، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، بجواز معاشرة الزوجة الميتة جنسيا، فيما يعرف بـ«مضاجعة الوداع»، والتى أثارت الكثير من الجدل والغضب فى مصر، ورد عليها العديد من علماء الأزهر الشريف.

عبد الرؤوف نفسه قال إنه حلال، لكن أين النفس البشرية التى تقبل هذا؟! «إن الأمر شاذ، لكنه لا يندرج تحت حكم الزنى، وإن أتى به الزوج، فهو مخالف للمألوف، ولا يعاقب عليه كحكم الزنى»، مشيرًا إلى أنه «يستوجب على ولى الأمر تعزير الزوج إن فعل ذلك».

فى تقديرى أن الفتوى بها اضطراب كبير، ففى حين قال إنه حلال، يفهم منها أيضا أنها لم تقل بجواز وطء الزوجة المتوفاة، بدليل أنه قال بعد ذلك إن من يفعل ذلك يعاقب بالتعزير، ومن المعروف أن التعزير لا يكون فى حلال، (والتعزير) لمن لا يعرف عقوبة أقل من الحد يقدرها القاضى، لكن المشكلة هنا فى سوء التقدير، الذى هو إحدى أهم أدوات المفتى.

والحقيقة أن قضية الخطاب الدينى من القضايا التى من المفترض أن تكون على رأس أولويات علماء ومفكرى الإسلام لأنه عن طريقه وحده يتم إيصال المعلومات الدينية ومعالجة القضايا الملحة وهو ما يتطلب طرقا وأساليب تؤدى الغرض المبتغى من الدعوة.

ورغم الاجتهادات المأجورة إن شاء الله، التى يقوم بها بعض مشايخنا فى ابتكار طرق جديدة، أو دعونا لا نقول جديدة ونتفق على أنها طرق خاصة بهم فى الدعوة، كأسلوبهم فى الحديث ونبرات صوتهم واختياراتهم لمواضع استخدام الإشارة وتداخلاتهم مع المخاطبين وانفعالاتهم وغير ذلك من لوازم الداعية التى يعرف بها ويميز بها عن غيره ويقصده جمهور معين يحب أن يستمع إليه، وهذا بالطبع أمر محمود ينبغى أن نشجعه وننميه عند جميع الدعاة، لكن المستهجن أن ينتحل بعض الدعاة شخصية غيرهم، فيتقمصون شخصيتهم ويرددون عباراتهم، بل ربما يحفظون خطبهم ومواعظهم ويلقونها كما هى على الناس، وهنا يقع المحظور الذى ربما لا ينتبه إليه البعض، بل فى الحقيقة هما محظوران وليس محظورا واحدا.

أولهما محظور عدم مراعاة مقتضى الحال، الذى هو من أولويات ما يجب أن يتعلمه الداعية، فليس من المعقول أن يخاطب الداعية أهل الحضر بما يخاطب به البدو وليس من المعقول أن يتحدث الداعية لطلاب الجامعة بنفس الكلام الذى يحدث به مجموعة من كبار السن فى إحدى دور المسنين، وليس من المقبول أيضا أن يعظ معسكر شباب بموعظة ألقيت على مساجين، فلكل مقام مقال كما يقولون ولكل مكان مكانته ولكل مناسبة ما يناسبها.

أما المحظور الثانى فهو خاص بالتواصل بين الداعة والمدعوين، على أساس أن ما خرج من القلب وصل إلى القلب وما وخرج من اللسان لا يتجاوز الآذان، لأن الداعية عندما يكون على طبيعته وعلى سجيته فإن رائحة الإخلاص فى كلامه تنعكس على الأجواء ويتلقى المستمع كلامه وهو مدرك تماما أنه هو المعنىّ بهذا الكلام وأن قائله يخصه به وهو يرغب فعلا فى تبصيره بالحقائق والأخذ بيديه إلى طريق الهداية، على عكس من يتقمص شخصية غير شخصيته، فإنه يشعر المتلقى بأنه يمثل عليه أو أنه يؤدى وظيفة أو يقوم بواجب يريد أن يسقطه عن نفسه.

ومع ذلك فلا مانع على الإطلاق أن ينتمى الداعية إلى مدرسة دعوية معينة أو ينتهج منهج شيخ ما، لكنه مع هذا مطالب بأن يضع بصمته وأن يجعل له شخصية من خلال أدائه وأسلوبه، فمتى سمعه المتلقى قال هذا كلام الشيخ فلان، وما يدريه أن يكون فى يوم علمًا من أعلام الدعوة، وما يدريه أن يكون له جمهوره ممن يقبلون منه ما لم يقبلوه من غيره.. أويتفاعلون معه بما لم يتفاعلوا به مع غيره ويهتدون به أكثر مما يقد يهتدون به على يد غيره.

التعليقات