السديري وفهمى

السديري وفهمى

 

ثلاثون عاما هى رحلتى فى عالم الصحافة وطوال هذه الفترة قدر لى الاقتراب من شخصيات متنوعة صنعت المهنة وكانت لها مدرستها، ورغم كثرة المبدعين إلا أننى أتوقف أمام شخصيتين كانت لهما بصماتهما الواضحة فى الصحافة أحدهما سعودى هو الراحل تركى السديرى، رئيس تحرير جريدة الرياض، مدة تزيد على 30 عاما والثانى هو رائد صناعة الصحف الخاصة فى مصر الراحل عصام إسماعيل فهمى مؤسس صحف الدستور وصوت الأمة وغيرهما.

لم تكن الرياض هى الصحيفة الرئيسية فى المملكة، حيث كانت صحف كالجزيرة وعكاظ سبقتها، إلى أن جرى إسناد رئاسة تحرير الرياض إلى تركى السديرى.

تولى السديرى (الرياض) وهى تصدر فى 16صفحة، لم يكن فى الجريدة مايجذب القارئ، لكنه كان يعلم مدى هوس السعوديين بكرة القدم، فخصص 4 صفحات للرياضة وبالألوان، كنت إذا زرت أى مقهى صباحا بالسعودية ستجد السعودى يصطحب معه جريدة الرياض وينزع الملحق الرياضى من داخلها ويرمى بالجريدة بعيدا.

حققت الجريدة بهذا الملحق قفزة هائلة فى التوزيع، لم يكتف السديرى بذلك بل سافر إلى بيروت والقاهرة وتعاقد مع عدد من الصحفييين الموهوبين فى صحافة البلدين.

بسبب كثرة العمالة الأجنبية كانت جريدة الرياض تشبه الأمم المتحدة ومع تعدد الجنسيات العربية قام السديرى بتخصيص بابا يوميا بعنوان (من مكتبات الوطن العربى) وخصص يوما لكل بلد عربى يستعرض فيه كل المعلومات عن هذا القطر العربى وينشر أخباره.

رغم أن الصحافة السعودية عامة لا تتمتع بالحرية لكن ذكاء السديرى أفاده بتوسيع الهامش فأعد قسما للتحقيقات التى كان لها نصيب يومى من صفحات الجريدة وناقش فيها كل مايهم المواطن، وعندما أقبل المعلنون بهمة على جريدة الرياض، كان لا بد من الانتقال من المبنى القديم الضيق الذى لايستوعب طموحات الجريدة ورئيس تحريرها ونجح فى تشييد مبنى على أحدث طراز يليق بتجربته التى نقل فيها الصحافة السعودية من حال إلى حال وليس جريدة الرياض فقط.

من بين شخصيات مصرية عديدة تعاملت معها داخل الوسط الصحفى، يبرز اسمه ليحتل الصدارة، هو الراحل عصام إسماعيل فهمى المؤسس الأول للصحافة الخاصة (المستقلة) فى النصف الثانى من القرن العشرين.

كان قد أتم الأربعين عاما عندما أسس صحيفة الدستور الأسبوعية فى إصدارها الأول برئاسة تحرير الموهوب إبراهيم عيسى، التى كانت حدثا جديدا على الساحة الصحفية، سألته مرة كيف وقع اختيارك على عيسى (29عاما وقتها) ليراس تحرير تجربتك الوليدة، قال: لم يكن عيسى هو المرشح الأول بل الثالث حيث سبقه الأستاذان عادل حمودة الذى اعتذر -وقتها- لأنه كان على وشك تولى رئاسة تحرير روزاليوسف والثانى الراحل محمود عوض الذى لم يكن متحمسا للتجربة وأخيرا استقر فهمى على اسم إبراهيم عيسى.

لم يكن فهمى مجرد ناشر فقط بل واحدا من كبار صناع الصحف فى العصر الحديث، كان لافتا للانتباه أن تزوره فى مكتبه وتجد أمامه أرقام توزيع كل الصحف الصادرة فى مصر حتى يعرف حجم ومكانة إصداره.

من عادات سوق قراءة الصحف فى مصر هو تقليل كمية المطبوع خلال شهر رمضان بسبب تراجع قراءة الصحف، وتحرص الصحف على تقليل كمية المطبوع، وحده فقط عصام إسماعيل فهمى الذى كان يزيد المطبوع فى رمضان، حيث كان يوزع هدية سى دى القرآن الكريم دون زيادة فى السعر، فكان الإقبال كبيرا على شراء الصحيفة.

بينما كان سعر الصحف الأسبوعية جنيها واليومية 75 قرشا، قرر فهمى رفع سعر صوت الأمة والدستور إلى جنيهين وكان قرارا مستحيلا وغير مدروس لكنه قال لى جملة لا أنساها غدا ستتأكد أنى كنت على صواب.

رحم الله فهمى والسديرى.

التعليقات