إبراهيم بن أدهم.. اتخذ اللَّه صاحبًا (1-2)

إبراهيم بن أدهم.. اتخذ اللَّه صاحبًا (1-2)

في رسالته الشهيرة ، وبعد أن تحدث القشيري عن المتصوفة واعتقادهم في مسائل الأصول وتعظيمهم للشريعة ، استهل أعلام تلك الطائفة بإبراهيم بن أدهم ، فكان هو أول الشيوخ الذين عرض لسيرهم وسيرتهم وأقوالهم وأدابهم في تلك الرسالة الرائعة . 

يقول القشيري : هو أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم من كورة بلخ رضي الله تعالى عنه .

وهناك روايات تقول أنه ولد في مكة، حين كان أبوه يحج مع زوجته وهى حبلى، وقيل إنها طافت به على الخلق في الحرم، وطلبت من كل من رأته أن يدعو الله له أن يكون صالحاً. وقد كان الأب من الأثرياء، فعاش ابنه فى كنفه حياة رخية مترفة.

وجاء في ( الرسالة القشيرية) أنه  كان من أبناء الملوك ، فخرج يوما للصيد فأثار ثعلبا أو أرنبا وهو في طلبه ، فهتف به هاتف : يا إبراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ؟!

أيقن إبراهيم  أنه هاتف من السماء، فقرر على الفور تغيير مسار حياته ، وصادف راعيا لأبيه، فأخذ جبته ولبسها، وأعطاه ثيابه وقماشه وفرسه، وترك طريقته، ثم قال: والله لا عصيت الله بعد يومي إذا ما عصمني ربى.

 ثم بدأ رحلته إلى الله بطلب العلم والتزام الزهد والورع، فذهب إلى مكة وصحب سفيان الثورى، والفضيل بن عياض، وتعلم منهما الكثير، ثم عاد إلى الشام، وشارك فى الجهاد، ورابط على الثغور، وذاعت شهرته وسيرته الطيبة بين الناس وأطلق عليه ( سلطان الزاهدين).

ويعتبر إبراهيم بن أدهم أحد الشخصيات التوافقية في تاريخ التصوف الإسلامي ، فالكل أيا كان اتجاهه وأيا كان مذهبه متفق على  حسن خلقه ورعه وزهده ونقاء سيرته .

وجاء في (سير أعلام النبلاء) للذهبي أنه بعد لزومه الطريق الصوفي ،كان يلبس فرواً بلا قميص، وفى الصيف شقتين بأربعة دراهم ، إزار ورداء، ويصوم فى الحضر والسفر، ولا ينام الليل. وكان دائم التفكر والتأمل وكان يطحن بيد واحدة مدين من قمح.

يقول القشيري : "وكان يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين وغير ذلك ".

ومن تتبع سيرته نعلم أنه عمل أجيرًا لدى أصحاب المزارع، يحصد لهم الزروع، ويقطف لهم الثمار ويطحن الغلال، ويحمل الأحمال على كتفيه، ويحرس البساتين، وكان سخياً لا يحتفظ  بشيء من أجره بل ينفقه على أصحابه وذوى الحاجة، مكتفياً بأبسط طعام، الذي كان غالباً ما يكون الخبز والماء.

كان نشيطًا فى عمله، يحكى عنه أنه حصد فى يوم من الأيام ما يحصده عشرة رجال، وفى أثناء حصاده كان ينشد قائلاً:

اتخذ اللَّه صاحبًا                      ودَعِ الناس جانبًا

وفي وصف زهد وتجرد إبراهيم بن أدهم ، يقول بشر الحافي : ما أعرف عالما إلا وقد أكل بدينه ، إلا وهيب بن الورد وإبراهيم بن أدهم ، ويوسف بن أسباط ، وسلم الخواص . . 

وعن ورعه وحرصه على تحري الحلال يقول شقيق بن إبراهيم : قلت لإبراهيم بن أدهم : تركت خراسان ؟ قال : ما تهنأت بالعيش إلا في الشام ، أفر بديني من شاهق إلى شاهق ، فمن رآني يقول : موسوس ، ومن رآني يقول : جمال ، يا شقيق : ما نبل عندنا من نبل بالجهاد ولا بالحج ، بل كان بعقل ما يدخل بطنه .
وفي ذات السياق يقول خلف بن تميم : سألت إبراهيم : منذ كم قدمت الشام ؟ قال : منذ أربع وعشرين سنة ، ما جئت لرباط ولا لجهاد ، جئت لأشبع من خبز الحلال .

وكان إبراهيم بن أداهم سمحا سخيا كريما ينفق على من فى صحبته من الفقراء، وكان يعمل نهاره، ويجتمعون ليلاً إلى موضع وهم صيام، وكان إبراهيم يبطئ فى رجوعه من عمله. فقالوا ليلة: هلمّ نسبقه حتى لا يبطئ، ففعلوا وناموا. فجاء إبراهيم، فظن أنهم لم يجدوا طعاما، فأصلحه لهم، فانتبهوا وقد وضع شيبته فى النار، وينفخ بها، فكلموه فى ذلك فقال: "ظننت أنكم نمتم جوعى لأجل العدم، فأصلحت لكم ذلك"، فقال بعضهم لبعض: انظروا ما الذي عملنا، وما الذي يعاملنا به.

ومن روائع ما يؤثر عنه دينيا وإنسانيا قوله: ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة، من لم يواسِ الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسهم ببسط الوجه والخلق الحسن. إياكم أن تكون أموالكم سببًا فى أن تتكبروا على فقرائكم، أو سببًا فى ألا تميلوا إلى ضعفائكم، وألا تبسطوا إلى مساكينكم.

وكان ابن أدهم شديد اليقين في الله ، رُوي في ذلك أنه ركب مرة البحر، فهاج عليهم، فلف رأسه فى عباءة ونام. فقيل له: ما ترى ما نحن فيه من الشدة! فقال: ليس هذا شدة! الشدة الحاجة إلى الناس. ثم قال: اللهم أريتنا قدرتك، فأرنا لطفك.

التعليقات