الصوفية الآمنة ومخاطر التسلل الشيعى

الصوفية الآمنة ومخاطر التسلل الشيعى

 

 

النزعة الصوفية تكاد تكون أشهر ما يميز تدين المصريين، على اختلاف ميولهم وتوجهاتهم، ومن الغرائب التى انفرد بها المصريون عن باقى شعوب العالم الإسلامى، أنه حتى أصحاب التيارات الدينية غير الصوفية فى مصر بمن فيهم الباحثون والأكاديميون تأثروا بهذه النزعة الصوفية، حتى أن أتباع الفكر السلفى الذين تشهد علاقتهم بالصوفية توترا فى شتى بقاع العالم الإسلام، دون أن يشعروا فى مصر تأثروا بثقافة وأدبيات الصوفية.

وصوفية مصر (المعتدلين منهم)، فضلا عن أنهم أصحاب منهج علمى روحانى نقى، فهو منهج يربأ بنفسه عن السياسة، التى يرى أقطابه أنها ضرب من ضروب تلويث النفس والابتعاد بها عن لذة العبادة والذكر والزهد والتسبيح.

هذا التوجه وضع علماء الدين من المتصوفة فى موقع ثقة جموع المصريين، خاصة فى ظل الوسطية المتوارثة للدعوة الصوفية، ولعل هذا أحد أهم الأسباب التى أهلت الصوفية المعتدلة لأن تكون على مر التاريخ الإسلامى، الدعوة التى تمكنت أن تستقطب الملايين من غير المسلمين إلى الإسلام، خاصة فى جنوب شرق آسيا، التى يرى كثير من الباحثين أن الإسلام انتشر فى هذه المناطق من العالم على يد الصوفية.

وفى عمق التراث المصرى الأصيل تتغلغل الأفكار الصوفية (السنى منها والبِدَعى)، لكن على الرغم من ذلك يذكر لعلماء الصوفية أنهم هم من وقفوا فى وجه الأفكار البدعية وقاوموها وصوبوها، وحاربوا كافة مظاهر الجهل والخرافة التى تبناها بعض المنتسبين للصوفية ليتكسبوا منها، وتمكن علماء الصوفية من صرف هؤلاء الموهومين من أتباع أصحاب البدع والأهواء إلى الصوفية المتمسكة بصحيح الدين.

والمتابع للحركة الصوفية فى مصر خلال الفترة الأخيرة سوف يلحظ نشاطا واضحا لمجالس الصوفية التى تتبناها كبرى الطرق الصوفية المستندة إلى الدراسة والعلم، كما سيلحظ اعتماد هذه الطرق على أن يصدروا للمشهد علماء من أصحاب المكانة العلمية البارزة والمشهود لهم من قبل كل علماء الإسلام حتى من غير الصوفية، أمثال الدكتور أحمد عمر هاشم والدكتور على جمعة والحبيب الجفرى والدكتور أسامة الأزهرى، بل وشيخ الأزهر نفسه وغيرهم كثير.

الشعب المصرى الذى اطمأن إلى علماء الصوفية له مبرراته التى أوصلته لهذه الثقة، أهمها المنهج الوسطى السائد لدى معظم علماء الصوفية، فضلا عن انتفاء المآرب والأغراض السياسية التى يشتم من ورائها رائحة توجيه إلى هذا الاتجاه أو ذاك.

لكن على الرغم من هذا (الاستئمان) على فكر المصريين الدينى، يبدو أن الأمر لم يدم على ما كان عليه، حيث ظهرت فى الفترة الأخيرة عديد من المخاوف والهواجس التى أصبحت تأخذنا بالفعل إلى مناطق غير آمنة فى الفكر الصوفى، وهى تلك المناطق الرخوة التى يحاول الفكر الشيعى التسلل منها إلى عمق الشارع المصرى، متكئا على ما هو معروف عن الشارع المصرى من حب لآل بيت النبى صلى الله عليه وسلم، حيث يرى البعض أن الشيعة يجندون جنودهم فى مصر لتذويب تلك المنطقة العازلة، والفاصلة بين الفكر الشيعى والفكر الصوفى.

بالتأكيد علماء الشيعة لا تخيل عليهم تلك الحيل ولا يمكن أن يقع أحدهم فى شَركها، لكن التسلل الشيعى الحاصل لا يستهدف قمة الهرم، ولكنه يستهدف القاعدة البسيطة التى ربما يختلط عليها الأمر، حيث يتم ذلك أحينا من خلال المدائح النبوية التى هى تراث شعبى مصرى أصيل يمدح فيه المصريون النبى صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام، جنود الشيعة الآن يفعلون ذلك، ولكن مع مزيد من المغالاة فى تقديس آل البيت.

أو ربما يحدث ذلك من خلال ما يطلق عليهم وعاظ المناسبات وهم من أصحاب الخطب المؤثرة التى تقام لهم سرادقات فى المناسبات الاجتماعية ويتبعون أسلوبا وعظيا مؤثرا، لكنه لا يخلو من بعض القصص والآثار والأحبار ذات البعد الشيعى، وأيضا من خلال بعض الإعلاميين الذين إما أن يكون قد اختلط عليهم الأمر بسبب عدم التخصص، أو أن يكونوا قد جندوا لخدمة مشروع التشيع فى مصر، ثم أخير من خلال (النيو ميديا) عبر وسائل التواصل الاجتماعى التى أصبحت تمثل خطرا داهما، نظرا لنجاحها فى استهداف فئة ليست بالقليلة من الشباب.

أعلم أن البعض يبسط المسألة ويرى أنه لا داعى للخوف والقلق ويثق بثبات المعتقد الدينى لدى المصريين، لكننى أقول لهؤلاء إن الأمر لم يعد كما كان فى الماضى، خاصة فى ظل الفضاء الإعلامى المفتوح ونشاط صفحات التواصل الاجتماعى، وحالة الإحباط التى ربما تسيطر على قطاع ليس بقليل من الشباب، وتدفعه إلى رغبة للبحث عن بدائل ربما يجد السعادة المفتقدة فى ظلها.

لذلك أقول إن إيقاف هذه التسلل، لن يكون إلا من خلال علماء الصوفية أنفسهم، بنفس الطريقة التى تمكنوا بها من محاربة بدع الصوفية المتطرفة، وقتها فقط لن يستطيع أحد الاصطياد فى الماء العكر وتسييس روحانيات الصوفية، البقية الباقية التى يهرب إليها بسطاء المصريين إلى الله وقت الشدائد.

التعليقات