أبعد من «ثرثرة فوق نهر التايمز»

أبعد من «ثرثرة فوق نهر التايمز»

 

رغم أن ثورة الاتصالات، التى حولت العالم إلى غرفة صغيرة، لم تجعل لأدب الرحلات ما كان له فى الأزمنة التى رحلت، فإن كتاب الدكتورة منى النمورى «ثرثرة فوق نهر التايمز» يضيف جديدا، فالمواقف والحالات والشخوص تتوالى فيها بلغة سلسلة، لا تكتفى برسم ملامح الأمكنة، إنما تصور الكثير من طرائق العيش، وأحوال البلاد والعباد، وما يدور فى ذهن الغريب ونفسه وهو يجوب المدن البعيدة. ولأن الكاتبة، وهى ناقدة ومترجمة وأستاذة جامعية، لها خبرة فى التعامل مع كل ألوان الأدب قراءةً وكتابةً وترجمةً، فقد أتى كتابها قطعة أدبية لافتة جديرة بقارئ يبحث عن المتعة والفائدة فى معين واحد.

يبدو الكتاب للوهلة، من خلال لغته المحكية أو الشفاهية، وكأنه مجرد خواطر مبثوثة، أو تسجيل يوميات فى رحلة الكاتبة إلى إنجلترا، لكن هذه العفوية أعطته مذاقا خاصا، لاسيما حين مزجت الكاتبة بين تجربتها فى الكتابة، وموقف من حولها حيال هذا، وبين مضمون الكتابة نفسها، وهى فى هذا تجارى بعض السرديات الروائية التى ظهرت فى الآونة الأخيرة، والتى تتجاوز الطريقة التقليدية فى الكتابة إلى الجمع بين تجربة الكاتب مع كتابه وما حواه هذا الكتاب. ولعل الفصل الأول فى رواية صبحى موسى الأخيرة «نقطة نظام» تعطى مثلا على هذا، مع الأخذ فى الاعتبار الاختلاف فى النوع الأدبى والمضمون وبنية الجملة بين كتاب صبحى وكتاب النمورى.

لكن سرعان ما نكتشف أن عفوية النمورى لا تخلو من دهاء، إذ تتداخل فى كتابها، الصادر عن دار العين، أصوات عدة فى الحكى، وتدلى برأيها فى رغبة المؤلفة فى الكتابة من الأساس، ثم تعلق على ما تكتب. من بين هذه الأصوات شخصية «مدام نظيفة» والأبناء الذين لا يكفون عن الشغب والثرثرة، والزوج الذى يدرك أن اكتمال هذا الكتاب يعنى عبئا شديدا عليه بفعل فالسفر والتجوال والانتظار والتأمل.

يصلح الكتاب مرشدا لشخص راغب فى زيارة إنجلترا، منذ أن يفكر فى الذهاب وحتى عودته، إذ تصف لنا ما وقع لها فى مطارى القاهرة وهيثرو كإعلان عن بداية التجربة، ثم تجول بنا فى الأماكن الشهيرة، لنعرف معها معالم البلد من شوارع وميادين ومتاحف ومعارض ومنتديات ثقافية وحدائق ومحلات، بعد رحلتين إلى هذه الدولة الأوروبية المهمة.

وحين تزور الكاتبة معرضا للكتب لحضور ندوة، نعرف معها أو منها جانبا من الشجار الذى خاضه الدكتور علاء الأسوانى ضد الإخوان بعد الإطاحة بحكمهم، حيث تكشف لنا معركة أخرى له لم تصل إلى سمع الإعلام وبصره دارت بينه وبين كاتب ومترجم إنجليزى خلال ندوة فى لندن اتهم فيها الأخير الأول بأنه «ضد الديمقراطية» رغم أنه يذيل مقالاته بعبارة «الديمقراطية هى الحل» حين شارك ووافق على الإطاحة بحكم الجماعة، فانبرى الأسوانى له ليصف ما جرى بأنه كان ثورة شعبية، وأن الزمن لو عاد به فلن يفعل إلا ما فعل.

هذه الحكاية فى الكتاب ربما هى الأقل تهكما من الواقع المعيش، فالكاتبة منذ السطور الأولى تتوسل بالسخرية تعبيرا عن موقفها من كل ما يجرى حولها، لا سيما فى المرحلة التى شرعت خلالها فى تأليف كتابها هذا، حيث كانت مصر لا تزال تعيش توابع خروج الإخوان من الحكم، بعد أن رماهم الشعب المصرى بسخرية لاذعة من أفكارهم وقادتهم ونواياهم ومسارهم ومستقبلهم. لكن كانت هناك سخرية أعمق حيال ما آلت إليه ثورة يناير، التى حاول الإخوان سرقتها ففسد كل شىء.

ولا تلتزم الكاتبة هنا بالطرق المتعارف عليها فى أدب الرحلات والتى تعتمد بالأساس على الوصف لمظهر الأشياء من الخارج، وكذلك الشخصيات، إنما هناك وصفا داخليا لما يدور فى نفس الراوى من خواطر وأفكار، وهى حال استبطان تجعل الكتاب يقف بين أدب الرحلات، ومشاهد قصصية قصيرة، تتابع عبر تسعة وثلاثين عنوانا، لتصنع ما يشبه الحكاية الطويلة، نظرا لما يربط بينها من خيوط متعددة، يصنعها من يروى، ورأى من حوله فيه وما يكتبه، ووجود شخصية مستمرة فى كثير من الحكايات مثل «مدام نظيفة»، وشخصية خلفية متوارية تطل من الذاكرة لكنها تؤثر فى سير الأحداث وهو صحفى اسمه حسين قدرى قرأت له المؤلفة فى صباها كتابا بعنوان «مذكرات شاب مصرى يغسل الصحون فى لندن»، ولم يغب عن رأسها ما فيه من حكايات ومعانى، وحين ذهبت هى إلى لندن، بدا وكأنها تسعى خلفه، أو تحاول أن تلتقى بنماذج بشرية تشبهه، أو خاضت ما خاض هو من تجربة صعبة فى الغربة.

ويبدو أن الكاتبة نفسها مدركة أن كتابها عصىٌ على التصنيف، أو أنها غير معنية بهذا، إذ نجد فى متن النص من يسألها: «يعنى الكتاب ده رواية ولا إيه؟ أنا ماعدتش فاهم! فتجيب هى على الفور: «مش رواية.. مش أى حاجة.. ثرثرة.. بس كده!»، لكن هذه الثرثرة، المنفتحة على ألوان أدبية عدة، صنعت كتابا جذابا، ما إن تبدأ فى قراءته حتى تجد نفسك راغبا فى استكماله، وبوسعك فى الوقت نفسه أن تفتحه على أى عنوان وتقرأه منفصلا، وهذا التقطع والتتابع والامتزاج يضيف إلى الكتاب بعدا جديدا، ويسهم فى صناعة الاختلاف حول تصنيفه.

التعليقات