القانون الذى يهدره الإعلام والعائلات !

القانون الذى يهدره الإعلام والعائلات !

عندما توليت مسئولية رئاسة التحرير لجريدة الجمهورية كانت معاناة الجماهير اهتمامى الأول.. سواء فى الوزارات أو الهيئات الخدمية أو التعليم أو الصحة.. غير أننى اكتشفت أن هناك معاناة من نوع مختلف أمام المحاكم وهى بطء التقاضى بين أطراف الخصومة..

كانت محكمة الأسرة فى بداية عملها وكلفت زميلة بمتابعتها لإعطاء صورة عن خلافات الآباء والأمهات التى ينتج عنها آلاف من الأطفال المشردين فى الشوارع والطرقات.. أسبوع ثم آخر ولم تأت الزميلة بأية أخبار.. سألتها قالت ممنوع دخول الصحفيين أثناء القضايا وأنا ألجأ لأمناء السر الذين عادة يميلون لمصلحة الزوج وبالتالى سيصبح الخبر ناقصا.. سألت قاضيا صديقا فأكد كلامها وزاد عليه أن القانون يوجب حتمية نظر القضايا الأسرية فى جلسات سرية.. بمعنى أن يقتصر نظرها على غرفة المداولة دون أى جمهور حرصا على أسرار البيوت.. ولا يملك القاضى -مهما كانت درجته- نظرها فى جلسة عامة أو فى قاعة يتاح فيها حضور الجمهور.. تقتصر الجلسة على الخصمين ومحاميهما مع غلق باب غرفة المداولة.

راعى المشرّع أن الطرفين ربما كان لديهما ما يستحيان من قوله أو سماعه أمام جمهور هو فى النهاية عشرات أو مئات على أقصى تقدير.. فكيف تعرض قضية أحوال شخصية على الملايين .

أتحدث طبعا عن الحلقة التى استضافوا فيها ابنة الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية الأسبق والمرشح الرئاسى فى إنتخابات 2012.. البنت قالت فى والدها ما قاله مالك فى الخمر وأكثر وهو كفيل بقتل الرجل معنويا.. أنا لست من مؤيدى نظرية المؤامرة التى تفترض أن الحلقة مدبرة للتشهير بالأشعل باعتباره أحد رموز يناير أو كونها رسالة لكل من يتجرأ من السياسيين المعارضين على التفكير فى الترشح لرئاسة الجمهورية أو لأى منصب سياسى.. لا أعتقد أن القيادة السياسية تفكر بهذه الطريقة الساذجة.

رأيى الشخصى أن الخطأ الأساسى فى قضية ابنه الأشعل ووالدها هو الطرح الإعلامى الذى تدنى لدرجة أن الإثارة أصبحت تسبق المهنية.. والإعلانات هى التى تحكم الضمير.. ونسبة المشاهدة أهم من القيم والمبادئ والأخلاق.

لقد تدنت القيم والتقاليد التى نشأنا عليها فصار طبيعيا أن ينحدر الإعلام ويتدنى حتى صار أقرب الى سلوك عصابات المافيا فى الابتزاز والحقارة.

لقد تفككت الأسر والعائلات المصرية أولا، فتفككت الأجيال وضاع الاحترام والنخوة وأصبح كل شىء مباحا.. لقد نشأت فى مصر أخرى غير التى أشاهدها الآن.. كانت عطوفا وحنونا على أولادها، فإذا بى أراها جاحدة وقاسية على الجميع.. إعلامنا أصبح منفلتا بفعل فاعل ونسى الشرف .

الأمر الثانى الذى كان ينبغى على القائمين على البرنامج إدراكه أن ما طرحته الفتاة ومحاميها فى برنامج معتز الدمرداش لا يمكن أن يظهر منه الحق أو الباطل.. فدعاوى الأحوال الشخصية عامة -وهو ما يعلمه محاميها طارق العوضى والمذيع معتز الدمرداش وأسرة البرنامج- يتم نظرها على مدار سنوات ولا يتم التوصل لحكم فيها إلا بعد نقاش طويل وعميق لكل أدلة الطرفين.. من ثم فأنا لم أستفد شيئا من مشاهدة هذه القضية الشخصية على الشاشة ولم أعلم من الظالم أو المظلوم.. هناك فى كل قضية نقطة أو نقاط قاتلة ربما لم تطرح إما حرجا أو لغرض ما.

لذا من الخطورة بمكان أن يتم تجييش الإعلام ضد طرف أو مع طرف فى قضية أمام القضاء لأن هذا يدمر العدالة ويؤثر على الرأى العام وعلى منصة الشموخ.

ليس من واجب الإعلام أبدا الحكم على أى قضية وهى منظورة أو قبل نظرها أمام القضاء.. هذا يدفع الصحافة والإعلام إلى فقدان المصداقية والارتماء فى أحضان نظرية المؤامرة أو تصور الرأى العام أنه صار مطية فى يد البعض لتنفيذ أغراضه أو مخططاته .

وفى النهاية أقول يا خسارة يا مصر.. لست بلدى التى عشت فيها طفولتى وصباى وشبابى ورجولتى.

مصر فى شيخوختى أصابها الزهايمر ونسيت كل مبادئها وقيمها وأخلاقها.. وأشد أيامى قساوة هى التى أعيشها الآن غريبا فى بلدى.

التعليقات