الإنترنت والتدين على طريقة الخليج

الإنترنت والتدين على طريقة الخليج

نمط التدين المعروف والمألوف لدى المصريين يختلف كثيرا عن أنماط التدين المعروفة فى دول الخليج العربى عموما وفى المملكة العربية السعودية بوجه خاص.

فمن ناحية العقيدة نحن وإن كنا أشاعرة، فإننا نعتبر أن الأشاعرة والماتوريدية هما جناح أهل السنة والجماعة، أما هم، فلا يعترفون بغير الماتوريدية، بل قد يبلغ الحال ببعضهم أنه يتهم الأشاعرة بالاعتزال.

ومن ناحية الشريعة، فنحن شوافع ومالكية وأحناف وحنابلة، وربما جعفرية، أما هم فلا يعرفون إلا ما قاله ابن حنبل.

وغير ذلك كثير من الاختلافات التى لا تؤهلهم إطلاقا أن يكونوا مرجعيات لا لنا ولا لغيرنا من مسلمى العالم.

لكن وعلى الرغم من تقدمنا البحثى والعلمى والأكاديمى فى مجال العلوم الشرعية، فإنه ولكثير من الأسباب تفوقوا علينا إلكترونيا، فملأوا الفراغ الإلكترونى بفكرهم الدينى، لدرجة أنك لا تكاد تبحث على مؤشر البحث عن أحد العناوين الدينية، إلا وظهرت لك مئات الصفحات، جميعها من المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج العربى. 

المواطن المثقف البسيط بطبيعة الحال يبادر إلى الإنترنت عندما يود البحث عن مسألة دينية، وللأسف الشديد، فإن كل الخيارات التى تظهر أمامه ليس ضمنها خيار لموقع عالم مصرى أو مؤسسة دينية مصرية.

ومن هنا تفتى الشبكة العنكبوتية المصريين بغير ما يفتيهم به علماؤهم، وهو الأمر الذى يمثل خطورة بالغة تكاد تصل إلى خلق نوع من عدم الثقة بيت الناس وبين العلماء، خاصة العلماء (المحليين) أئمة المساجد ومن فى حكمهم، عندما يستفتيهم روادها فى مسألة ما، فيفتونهم بما هو معلوم لديهم، ثم يفاجأ المستفتِى عندما يسأل عن مسألته على الإنترنت بعشرات الإجابات، كلها على غير فتوى الإمام، وقتها سوف يصدق عشرات الفتاوى التى تواترت على إجابة واحدة ويظن أن إمامه قد أفتاه بغير الصواب.

الأمثلة على ذلك كثيرة، وربما يكون الأقرب ما شهدناه قبيل عيد الأضحى، عندما أخذ معظم المضحين فى مصر بفتوى (من أراد أن يضحى أو يضحى عنه فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئًا حتى يضحى أو يضحى عنه) وهى تلك الفتوى المعمول بها الحنابلة الذين يتعبد أهل الخليج بمذهبهم، وهو رأى لم يقل به غير ابن حنبل، حتى فى العصر الحديث رد بعض علماء الحنابلة على هذا الرأى.

المشكلة من وجهة نظرى ليست فى أن نأخذ رأيا لابن حنبل، فمرونة المصريين تشهد أنهم لا يتعصبون لمذهب دون غيره، لكن المشكلة أن نعتقد أن هذا المذهب هو الصواب دون سواه، بل المشكلة الأكبر فى أن نرى بعض من تابعوا هذا الرأى ومعظمهم إما أخذه من المواقع الخليجية المنتشرة على الإنترنت أو عاش فى الخليج، ينقلون ما أخذوا به، حتى أنهم يدعون لمن لم يفعل مثلهم أن أضحيته غير مقبولة لأنه لم يمسك عن شعره وأظافره خلال العشر الأول من ذى الحجة.

وغير ذلك كثير من الأمثلة التى أصبحت تشكل خطرا بالغًا على الوعى الدينى للمصريين، قد يقودهم إلى طريق التشدد الذى لم يكن معروفا بيننا يوما ما.

 الأمر إذن يتطلب استفاقة دعوية من المؤسسات الدينية فى مصر، الأزهر والأوقاف والإفتاء، هذا بالإضافة إلى الجمعيات الخيرية التى من الملاحظ أنها تنشط فى هذا الصدد فى دول الخليج، بينما يغيب نشاطها تماما فى مصر، لأن ذلك من شأنه أن يحافظ على هوية الشعب المصرى بعيدا عن الانحراف والتطرف والتشدد.

لا أقول إن هذه المواقع مواقع متطرفة، ولكن أخذ الدين عنها من غير متابعة ولا مراقبة ولا توجيه سوف يؤدى إلى التطرف، الذى يمكن أن يستشرى فى المجتمع ووقتها لن يمكن علاج هذه المشكلة.

لدينا من الكوادر الفنية والعلمية ما يمكن أن يقيم مواقع أفضل بكثير من المواقع الخليجية التى ملأت الفضاء الإلكترونى وأصبحت المرجع الوحيد للباحثين عن الثقافة الدينية.

لابد أن نضع فى اعتبارنا الدور المهم الذى باتت تعلبه المواقع الإلكترونية فى توجيه الثقافة الدينية، لذلك علينا أن نحجز الدور المساحة التى تناسبنا على هذا الفضاء والتى تقطع الطريق أمام استحواذ المواقع الأخرى على عقلية المصريين.

التعليقات