أهلا بك في يوتوبيا البيضاء

أهلا بك في يوتوبيا البيضاء
حسنًا يا صديقي سأصفها لك، غرفة صغيرة، بها نافذة واحدة، أرضيتها خشبية رمادية اللون، أثاثها أبيض وجدرانها من لونين أزرق سماوي وأخضر.. أعلم من أنك تتعجب من أن ألوان الغرفة باردة على الرغم من أنني اعتدت طلاء الجدران بالألوان الساخنة، كان هذا في الماضي.. الآن مشاعري متوهجة، أشعر بالغضب على العالم ولا سبيل لتهدئتي إلابألوان غرفة باردة.. غرفتي أثاثها أبيض، العالم ضيق من حولي  يا صديقى.. أريده عالمي واسعًا ليحتوي أفكاري المبعثرة هنا وهناك..
 
مكتبي كما تعلم يواجه الحائط، أحب الجلوس ناظرًة للحائط أمامي وأضع لوحة صغيرة أثبّت عليها قصاصات ورق ملونة صغيرة تجسد عالمي الصغير الذي أريد أن أطل عليه: جملة هنا.. حكمة هنا.. هدف مؤجل هنا.. صورة زهور ورسومات ملونة.  نعم، حياتي بهذه البساطة.
 
فراشي- كالمعتاد- يواجه باب الغرفة، ليس في المنتصف تماما بل أقرب للحائط وقريب من النافذة. أشعر بالأمان كلما كان الفراش قريبا من الحائط وأنام على الجنب الأقرب للحائط لأشعر بالأمان والدفء.
 
اشترى لي أبي تلفازًا ووضعه أمام سريري لأشاهد الأفلام، ولكني لم أفتحه سوى مرات معدودة، أشعر بالندم أننا اشتريناه على الرغم من أني كنت أشعر أنني أريد تفازًا وبشدة قبل أن نشتريه.. هكذا نحن، نتوهم كثيرا أننا نحتاج لأشياء -بل ولأشخاص- فقط لأننا نشعر بالوحدة والملل. لا أشاهد التلفاز لأنني أحب أن أغمض عيني وأفكر كثيرًا على أنغام قائمة الموسيقى الكئيبة الخاصة بي: حنّية راجع داوود، وحزن عادل حقي، والحنين في كمان خالد حماد، والرومانسية في موسيقى تامر كروان..
أغمض عيني وأفكار في ضحكة أطفال صغار، ورجل وقطة وكلب، وثوب أسود و نافذة تطل على بحر ومطبخ  يدخله ضوء الشمس وتملؤه الأصص الصغيرة. 
 
هل تعجبك اللوحات على الجدران؟ هذه صورة فريدا كاهلو، وهذه فيروز، وهؤلاء أطفالي، وهذه إمرأة رشيقة تمنيت يوميًا أن أكون مثلها، هذه صورة زهور وهذه صورة طفل لا أعرفه.. وهذه رسمة رسمها لي صديقي مخلوف.
 
هنا توجد الكتب! هذه رواية وراق الحب لخليل صويلح، وتلك كتب جبران، هذا ديوان لنزار قباني، وهذه كتب موقعة من أصدقائي الكُتاب، وهناك الكثير من كتب المساعدة الذاتية والتامل وفلسفة الحياة. مكتبتي ليست كبيرة كما ترى.. أعطى الكتب لأصدقائي لأنني أؤمن أن الكتب كُتبت لتقرأ وتهدى لا ليملؤها التراب على الأرفف. 
 
هذا صندوق أدويتي.. لن أحدثك كثيرًا عنها، ربما لا تحتاج لتعرف كل شيء عنها، ألا يكفيك أنني بخير؟ ألا يكفيك أنني ابتسم أمامك كل يوم وأمارس الرياضة وأفقد الوزن. تصر على معرفة ما هذه العبوة؟ حسنًا.. سأغني لك كلمات نزار قباني:  "أسألهم برشامة تدخلني في عالم الأحلام، حتى حبوب النوم قد تعودت مثلي على الصحو فلا تنام".  حسنًا هذه برشامتي اليومية لدخول عالم الأحلام،  أدخل هناك.. بعيدًا حيث يجلس رجل ما مثلي يرغب الدخول في عالم الأحلام هو الأخر.
 
وأخيرًا! وحدة التزين والتجميل.. زيوت اللوز والورد والنعناع، أقلام كحل وقلم حمرة الشفاه وحيد وبعض البودرة.. يكفبني هذا معظم الوقت للخروج من المنزل والتقاط صورة جميلة أنشرها مع مقالي. 
 
هل أعجبتك غرفتي؟! أهلا بك في عالمي الصغير، أهلا بك في مخبأي الذي أهرب فيه كل يوم.. أهلا بيك في يوتوبيا البيضاء.
 
التعليقات