مختصر تجربتى فى البحث العلمى

مختصر تجربتى فى البحث العلمى

 

حين أكون على باب تأليف أو إعداد دراسة فى ما فإننى فى البداية أقرأ فى الموضوع، حتى يكون بوسعى التقاط النقاط الجوهرية التى يجب أن تشملها الدراسة. أبدو هنا أشبه بمن يمسح صحراء مترامية كى يضع يده على مكان مناجم الذهب أو آبار النفط أو مياه جوفية تحول الرمال الصفراء إلى جنات يانعة.

فى هذه المحاولة أقف على حدود ما انتهى إليه الآخرون فى دراساتهم، وأدرك ما على أن أضيفه، حتى يواصل العلم رحلته التى لا تنتهى فى وضع المداميك بعضها فوق بعض، كى تعلو قدرتنا على اكتشاف ما لا نعرفه، وتجلية من غمض علينا.

بعدها تبدأ مرحلة تقسيم الدراسة، أو وضع خطتها، وهى قابلة للتعديل بالحذف والإضافة كلما أوغلت راحلا فى البحث وجمع المعلومات. وهذا التقسيم هو الذى يكون فى يدى أو فى ذهنى طيلة الوقت وأنا أواصل القراءة، لأجمع مادتى العلمية. فأفتح كتابا، لأنظر فى فهرسه، فقد لا يكون فيه ما يتعلق ببحثى سوى فصل أو فصلين، فيكونان هما الأولى بالقراءة، أما لو كان كله يقع فى صميم ما أبحث عنه، فلا بد من قراءته كاملا. وبينما أطالع السطور بإمعان أجد عبارات عميقة المعنى، أو معبرة عما أسعى خلفه، فيكون على أن أقتبسها كاملة، لتوضع بين مزدوجين فيما أكتبه. وقد تمدنى قراءة عشرات الصفحات بفكرة أو رؤية بوسعى صياغتها فى سطور قليلة، ثم الإشارة فى الهامش إلى مصدر الفكرة.

ويكون النقل أو الكتابة فى «كارت» يتم شراؤه من المكتبات، وأحيانا كنت أقوم بتقسيم ورقة فلوسكاب (A4) إلى أربعة أجزاء صانعا بها كروتا رخيصة. وأكتب فى السطر الأول لكل منها الباب، والفصل، والمبحث، والنقطة، التى ستذهب المعلومة المدونة إليها، وأعود من المكتبة كل يوم، أو أنتهى من قراءة كتب فى بيتى، لأرمى الكروت فى كرتونة، تظل تتراكم فيها، وتكبر وتصغر حسب حجم البحث الذى أعده. وأظل أواصل القراءة حتى أصل إلى مرحلة التشبع، وأوقن أننى قد ارتقيت إليها حين لا أجد أن أى قراءة أخرى تضيف لى جديدا، وأنها إما تكرر ما سبق وإما تدور حوله، لكنها لا تتقدم بى إلى الأمام، وقتها أدرك أن وقت الكتابة قد حان، وعلى أن أفتح كنزى أو حصالتى، وأرتب ما فيه. وأفرد أمامى كل ما استقر فى صندوق المعرفة الورقى هذا، وألتقط كل «الكروت» المكتوب عليها (الفصل الأول) وأجمعها فى مظروف، وأفعل هذا مع الفصل الثانى والثالث والرابع، حتى نهاية فصول البحث. أعيد كل المظاريف إلى «الكرتونة» ما عدا الذى يخص الفصل الأول، فأوزعه على المباحث، وفى كل مبحث على النقاط التى تكونه. وأقوم بترتيب أوراق كل نقطة، وأضغط عليها بدباسة قوية، فيتحول كل مبحث إلى مجموعة من الكروت، ليأتى الدور على (النقطة الأولى) فالتقط كروتها، وأقرأها بعناية، ثم أنحيها جانبا، وأفكر فيما قرأته، وأصبر على التفكير مهما استغرق من وقت، فلما تكتمل الفكرة فى رأسى أسارع إلى الورق لأكتبها، كان هذا قبل أن يقتحم الحاسوب علينا حياتنا بهذه الطريقة، فالآن أكتب عليه مباشرة. ولا تحددنى فى الكتابة ما جمعت من معلومات بالضرورة، إنما هذه المعلومات قد تقودنى إلى أفكار تخصنى، ثم أستخدم ما حصلته فى صناعة مسار برهنة على ما عَنَّ لى من أفكار، هى فى الواقع أجزاء صغيرة تفصيلية من لوحة كبرى، قد تكون الكتاب أو الأطروحة الجامعية. ولا أقيد نفسى بالطبع باستعمال كل ما فى الكروت، فبعضها لا أحتاج إليه من الأساس، وبعضها قد أستفيد بقليل مما ورد فيه، لكنها فى مجموعها تساعدنى فى تعميق فكرتى.

ولا يعنى أثناء الكتابة انقطاعى عن القراءة، فأحيانا أجد أن هناك نقصا يحتاج إلى إكمال، وشرخا يطلب ترميما، فأعود إلى المكتبات. وتكون هذه القراءة أكثر وظيفية وأشد تركيزا، لأننى أحرص فيها على أن أذهب مباشرة إلى ما أريد.

ولما تكتمل الدراسة تأتى مرحلة المراجعة، وفيها أيضا يمكن أن تظهر ثقوب وعيوب لا بد من إصلاحها. وحتى حين تتبلور الصورة النهائية للدراسة أنظر إليها كلية، وأفكر فيها، فقد أجد ما يحتاج إلى إعادة صياغة، أو ما تجب إضافته.

وكان من حسن حظى أن دراساتى لم تقتصر على المسائل النظرية، إنما امتدت إلى بحوث ميدانية وتطبيقية أحيانا. وكانت تجربة أطروحة الماجستير هى الأكثر ثراء فى تجربتى تلك. فقد كان على أن أخالط مريدى طريقين صوفيتين هما «الحامدية الشاذلية» و«الخليلية»، فشاركت فى حضراتهما، وصادقت أتباعهما، وذهبت إلى الموالد التى تخصهما، وصار مريدو كل طريقة منهما يتعاملون معى على أننى واحد منهم، فأكلت طعامهم، ونمت بينهم على الحصير أثناء المولد، وكنت إلى جانب هذا أجمع كل ما يقع تحت يدى من مصادرهما المكتوبة، سواء كانت كتبا منسوبة إلى شيوخهما الكبار، أو قام بتأليفها بعض مريدى الطريقتين.

وكان أستاذى الدكتور كمال المنوفى بارعا فى مثل هذا النوع من الدراسات، وحرصت على أن أتعلم منه كل ما خبره فى هذا، فهو صاحب الدراسة الشهيرة «الثقافة السياسية للفلاحين»، ولم يبخل على بشىء. وأتذكر أنه رغم الظروف الصحية التى كانت تمر بها زوجته وقتها، وهو ما جعله طيلة الوقت حزينا منطويا شاردا، فقد صمم على أن ينقاشنى باستفاضة فى استمارة الاستبيان التى أعددتها، بعد أن انتهيت من الجزء النظرى، والذى كنت أضع فصوله فى درج مكتبه، ولا أسأله عنه، مراعاة للظرف القاسى الذى يكابده.

ولم تولد كل كتبى بطريقة واحدة، فهناك من بينها ما كان فكرة فى رأسى، ترجمتها فى خطة، ورحت أبحث حولها حتى اكتمل الكتاب، وهذه أغلب كتبى. وهناك كتاب كان مجرد جزء نظرى فى عمل كبير، عملت عليه منذ عام 2007 وكنت أنوى نشره فى أجزاء كموسوعة عن المقاومة السلمية فى تاريخ العرب، وعاوننى فيه عدد من الباحثين المساعدين، وكنت أنفق عليها من جيبى الخاص، على قلة ما لدى. وأحسب أن السبب فى هذا أننى كنت أتوقع اندلاع احتجاجات وانتفاضات وثورات فى العالم العربى، وأردت أن أضع إطارا نظريا لها، إذ إن كل أسباب الانفجار كانت متوفرة بفعل استشراء الفساد والاستبداد، لكن وقع هذا أمام عينى قبل أن تكتمل الموسوعة فنشرت الجزء الأول منها، الذى كتبته أنا كاملا، فى كتاب بعنوان «التغيير الآمن: المقاومة السلمية من التذمر إلى الثورة»، وبقية ما جمعه الباحثون المساعدون لا تزال بحوزتى، قد أجد لها ذات يوم طريقة للمعالجة، وأضعها لها أفقا تحليليا فتصدر فى كتاب.

وهناك كتب هى مجموعة من الدراسات المتآلفة التى يربط بينها خيط سميك، وأخرى مقالات تخص مرحلة معينة من عمر بلدنا، كان من المفيد جمعها ونشرها فهى تساهم فى رسم معالم تلك المرحلة، وموقف الكاتب منها. ويوجد كتاب كان عبارة عن حلقات طلبتها منى صحيفة الجريدة الكويتية عن أقطاب الصوفية، ولاقت صدى كبيرا وقت نشرها، فأعدت نشرها فى صحيفة «المصرى اليوم»، وفى سنة تالية نشرت حلقات أخرى فى صحيفة «الوطن» وصارت لدى تراجم لـ44 شخصية صوفية بارزة فى تاريخ المسلمين، فنشرتها فى كتاب تتوالى طبعاته باسم «فرسان العشق الإلهى».

وكل كتبى ما عدا واحد منها كانت إجابات عن أسئلة تثار فى رأسى، ولم يطلبها منى أحد. أما الاستثناء فهو كتاب «العلاقات المصرية الخليجية» الذى كتبته بتكليف من مركز الخليج للأبحاث فى دبى. وهناك كتابان ألفتهما تحديا، إذ كان كل واحد منهما مجرد دراسة قصيرة، دفعتها للنشر فى منبر بحثى، ولم يتسن هذا، فأقسمت أن أطورها حتى تصبح كتابا، الأول نشرته فى مركز الخليج للأبحاث أيضا، وكان عنوان «ممرات غير آمنة: تهديد الراديكاليين الإسلاميين لوسائط نقل الطاقة»، واستفدت فيه من عملى سنتين بمركز الإمارات على ملف النفط والغاز، رغبة منى فى هذا، لإيمانى بأن الباحث الجيد فى علم السياسة أو الاجتماع لابد له من إلمام بالخلفيات الاقتصادية إلى تحكم القرار السياسى، والحركة فى المجتمع. والثانى هو كتاب «الخيال السياسى» الذى ستنشره سلسلة عالم المعرفة الكويتية الشهيرة فى شهر أكتوبر المقبل إن شاء الله تعالى.

  1.  
  2.  
التعليقات