عشرة صاغ قديمة للبيع

عشرة صاغ قديمة للبيع

 

استيقظت من نومي على صوت جرس "منبه الهاتف" الذي اخترته خصيصا للرحلة، حيث أن النغمة العادية للمنبه، رغم أنها الأسرع في ايقاظي، إلا أنها تثير توتري لكونها تذكرني بكل ماهو متعلق بالعمل والالتزامات اليومية التي توقظني مبكرا. لذلك فقد اخترت نغمة أكثر لطفا، بحيث أتذكر أنني "لازلت في إجازة" فور سماعي لها كل صباح!

بالطبع لدي أشياء لأفعلها، ولهذا قمت بضبط المنبه، ولكنها أشياء خارقة للروتين المعتاد في مصر.

نظرت إلى قائمة الأماكن التي وددت الذهاب لها قبل سفري، فوجدت أن الأيام المتبقية ستكون غير كافية لزيارتها كلها، نهضت بسرعة لتناول الإفطار في الفندق ومن ثم بدء اليوم.

و من ضمن ما يغريني في الإفطار هنا هو وجود "اللب السوري" الذي أحبه كل يوم تقريبا، وقد تم تقشيره وتجهيزه ووضعه في طبق كبير كنوع من المقبلات!

ولا أعرف ما علاقة هذا اللب بسوريا على وجه التحديد، ولكنها المرة الأولى التي أرى فيها هذا اللب الجميل يتم التعامل معه بكل هذا الاحترام، وهي المرة الأولى كذلك التي أتمكن من تناول كميات كبيرة منه بسهولة وبدون عناء تقشيره !

المهم أنهم هنا يعتبرونه وجبة، أو جزء من وجبة على أقل تقدير، وليس مجرد "تسالي للقزقزة"..

وبما أن وقتي أصبح ضيق جدا فقد قررت عدم الانسياق وراء أفكاري حول إشكالية قزقزة اللب السوري مابين مصر والسويد، والانتهاء من الإفطار لبدء اليوم.

قررت التجول قليلا بلا هدف حول الفندق في وسط مدينة ستوكهولم، بلا تفكير في خطط وأماكن بعينها لزيارتها، فرغم قائمتي الطويلة التي أريد إنهاءها، إلا أنه في العادة، بعد مرور وقت على أية رحلة، لا يبقى في ذاكرتي سوى أوقات التجول الحرة في الشوارع بلا هدف والاستمتاع بالـ "توهان"، أما زيارة المتاحف والمعالم فهي متعة عقلية أكثر منها روحية!

وجدت نفسي بعد دقائق من المشي غير الهادف أمام "كشك" لبيع الآيس كريم، فقررت أن أقف قليلا لأتلكأ، وأتناول "المثلجات" كما يقولون! سألني البائع الشاب من أي بلد أنا، عندما أخبرته أنني مصرية قام بالتحدث معي بالعربية فورا، وأخبرني أنه سوري هو والعامل الآخر أيضا.. اتسعت ابتسامتي ودار بيننا حوار حول الأوضاع في سوريا، وحزنه بسبب تشرد السوريين في مختلف البلاد، وأنه غير راض عن وضعه في ستوكهولم، وسيقوم هو ومجموعة سوريين بتنظيم وقفة للمطالبة ببعض الحقوق من الحكومة السويدية خلال أيام. شعرت بالأسى لحاله، وأخرجت بطاقة الائتمان لدفع النقود، لكنها لم تعمل لسبب لا أعرفه!

شعرت بالحرج الشديد، فلم يكن معي نقود "كاش"، وكان الفتى قد أعد "قرطاس" الآيس كريم بالفعل، اعتذرت له كثيرا، وأخبرته أن يبيع الآيس كريم الذي أعده لأي مشتر آخر، فالإقبال كبير على الكشك، لكنه أصر إصرار شديد على أن آخذه، تناولته منه في خجل شديد وشكرته على وعد بالعودة له مجددا لدفع النقود، ابتعدت عن المكان وأنا أفكر كيف سأعود لهذا البائع السوري الكريم، وأنا لا أعرف على وجه الدقة أين أنا، ولا كيف وصلت لهذا المكان لأنني "ماشية سرحانة" لا أشغل نفسي بالاتجاهات!

نظرت حولي طويلا لأرى أية علامة مميزة تمكنني من العودة مرة أخرى، وقمت بالتقاط عدد من الصور بالموبايل لعدد من الأبنية الأثرية لمساعدتي على العودة مجددا. وابتعدت وأنا "متعكننة" بسبب الموقف السخيف والمحرج للغاية.

بعد عدة دقائق وجدت نفسي في منطقة جميلة، بيوتها ملونة وقديمة جدا وشوارعها ضيقة للغاية، ممتلئة بالمحلات الصغيرة الجميلة والمطاعم المختلفة. سألت لأعرف أين أنا، فعرفت أنني أقف في الـ

Gamla Stan وهي "المدينة القديمة" في ستوكهولم، وقد كانت زيارتها من ضمن الأشياء التي ضممتها لقائمتي لكنني لم أكن أعرف أنني سأصل لها بالمصادفة وبدون أدنى تخطيط مني.. فعندما نقرر "التوهان" نصل لوجهتنا أحيانا بغير قصد!

سأجعلها حكمة اليوم ربما..

أكملت جولتي في شوارع المدينة القديمة، وهنا على عكس باقي شوارع ستوكهولم يوجد زحام كبير من السائحين، فالمكان غير تقليدي وبه محلات جميلة ومميزة.

وأثناء تجولي وجدت "فنان متجول"، أو "فنان شوارع" إن صح التعبير، ومثله يكثر وجودهم في عربات مترو الأنفاق وفي الشوارع السياحية في عواصم مثل باريس ولندن، لكنها كانت المرة الأولى منذ وصولي للعاصمة السويدية التي أجد فيها فنان كهذا مفترش الأرض، وللحق فإنه كان متميز من نوعه، فلم أر مثله من قبل، حيث كان يجلس أمام صندوق كبير ممتلأ بالكؤوس الزجاجية الممتلئة بدورها بالماء، حيث يقوم بتمرير يديه فوق الكؤوس بطريقة معينة لتصدر أصوات، ومع تتابع حركة يديه، تتابع الأصوات لتشكل شيء جميل أشبه بالمقطوعة الموسيقية العذبة جدا، والتي ذكرتني بنغمة "منبه" الموبايل التي استيقظت عليها في الصباح، مما ذكرني بدوره بأهمية سرعة الذهاب للفندق لمراجعة خطتي لليوم، وإحضار حقيبتي ومعطف المطر والبدء فورا في مغامرة جديدة منظمة بعيدا عن "التوهان" والسير بلا هدف والذي ثبت أنه يسفر عن بعض الاكتشافات اللطيفة أحيانا لكن ليس دائما..

 

 

لكن الجولة الصباحية القصيرة أبت أن تنتهي إلا بعد أن تريني المزيد، فخلال تلمسي لطريق العودة للفندق بلا أي هدى يُذكر، قادتني قدماي لأحد الشوارع الجانبية الضيقة والخالية من المارة تماما، لأجد متجر صغير للغاية لا يظهر منه سوى نافذة زجاجية صغيرة على الشارع توضح أنه يبيع مجلات وكتب قديمة.

دخلت إلى المحل الصغير الممتلأ نسبيا بالمشترين رغم سكون الشارع الموجود به، لأفاجأبمجموعة كبيرة رائعة من المجلات المتنوعة والمنظمة بدقة، مجلات مثل "ميكي" و"تن تن" وغيرها من المجلات المصورة الشهيرة بأعداد قديمة تعود لعدة عقود سابقة، ويبدو أنها مستخدمة من قبل ومع ذلك فإن حالة أغلبها جيدةللغاية، أعجبتني جدا فكرة المتجر رغم أنني لا أنوي شراء أي شيئ منه، لكنني قضيت بعض الوقت اللطيف أقلّب في المجلات المعروضة في المحل الضيق الذي يمتلأ بالدهاليز والممرات الصغيرة.

وفي أحد الأركانوجدت صندوق كبير به عدد من العملات القديمة لبلدان العالم المختلفة والمعروضة للبيع من ضمن بضائع المتجر، منها عملات حالتها جيدة وأخرى مهترئة، ظللت أقلب بها حتى وجدت عملة مصرية من فئة "العشرة قروش".. التقطها وتذكرت فورا جملة عادل إمام الشهيرة "بعشرة قروش خس" من مسرحيته الأشهر "شاهد ماشفش حاجة!"

 

أمسكتها طويلا وأنا أشعر بشعور غريب يملأني، فلم أتعامل بهذه الورقة منذ سنوات لدرجة أنني كدت أنسى شكلها. شكل الورقة أعاد لذاكرتي أيضا شكل الخمسة قروش الورقية التي أتذكر لونها الآن رغم أنها غير موجودة ضمن مجموعة العملات القديمة بالمتجر.

 

 

خرجت من المتجر وأنا ممتنة للصدفة التي ذكرتني بمصروف المدرسة في الطفولة، عندما كانت العشرة قروش تكفي لشراء "كيس شيبس" أو زجاجة "كوكاكولا" بكل أريحية.. وذلك قبل أن يخبرنا الطب الحديث أن هذه المأكولات والمشروبات مسرطنة وتتسبب في الوفاة.

وللحديث بقية..

 

التعليقات