محيي الدين بن عربي

محيي الدين بن عربي

الشخصية الصوفية الأكثر إثارة للجدل، ما إن يذكر اسمه حتى تتعالى صيحات التأييد له باعتباره القطب الصوفي العتيد والشيخ الأكبر صاحب المعارف الواسعة والإنتاج الفكري الغزير وغير المسبوق  ، في الوقت  نفسه الذي تعلو فيه الأصوات القاطعة بزندقته وهرطقته وكفره وخروجه من الملة بسبب آرائه التي بلا شك ما تزال محلا لعسر الهضم وصعوبة الاستيعاب والفهم والتبرير .

اشتغل ابن عربي في أول أمره بالكتابة في ديوان الإنشاء لبعض الأمراء بالمغرب. ثم تزهد وتفرد وتوحد وأكثر من السفر والسياحة والدخول في الخلوات .

اختلف العلماء خلافا حادا في النظر إلى شخص وفكر ابن عربي ، وإن كانت الغالبية منهم تذهب إلى ذمه والطعن في أفكاره وفي عقيدته .

ومع ذلك تبقى هناك ملاحظة مهمة وهي أن ابن حجر العسقلاني وهو ممن يحطون على ابن عربي ويسيء الاعتقاد فيه  ، إلا أنه شهد له كما جاء في (لسان الميزان) بأنه " كان عارفا  بالآثار والسّنن، قويّ المشاركة في العلوم. أخذ الحديث عن جمع، وكان يكتب الإنشاء لبعض ملوك المغرب، ثم تزهّد وساح، ودخل الحرمين والشام، وله في كل بلد دخلها مآثر".

وكان الشيخ  ابن تيمية ممن رفض أفكار وآراء ابن عربي  ، ورأى فيها خروجاً عن الدين القويم والسنّة الشريفة، وتبعته في ذلك طائفة من الأئمة والعلماء.

وفي الرد على اتهام ابن عربي في دينه ، تصدى مجموعة من العلماء لتلك المهمة لتبرئة الرجل من تهمة الإلحاد التي أُلصقت به.

وكانت معركة فكرية بمعنى الكلمة ، فحين صنف الفقيه برهان الدين البِقاعي الشافعي كتاباً سماه "تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي"قال في مقدمته :

"وبعد فإني لما رأيت الناس مضطربين في ابن عربي المنسوب إلى التصوف الموسوم عند أهل الحق بالوحدة ولم أر من شفى القلب في ترجمته، وكان كفره في كتابه الفصوص أظهر منه في غيره، أحببت أن أذكر منه ما كان ظاهرا، حتى يعلم حاله، فيهجر مقاله، ويعتقد انحلاله، وكفره وضلاله، وأنه إلى الهاوية مآبه ومآله" .

ورد عليه الإمام جلال الدين السيوطي بكتاب "تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي"، فوفقا لما جاء في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) لابن العماد الحنبلي :

"  منهم – أي من دافعوا عن ابن عربي-  الشيخ جلال الدّين السيوطي، قال في مصنّفه (تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي) : والقول الفيصل في ابن العربي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه، فقد نقل عنه هو أنه قال: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا.
قال السيوطي: وذلك لأن الصوفية تواضعوا على ألفاظ اصطلحوا عليها، وأرادوا بها معان غير المعاني المتعارفة منها، فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفر، نصّ على ذلك الغزّالي في بعضه كتبه، وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسّنّة، من حمله على ظاهره كفر.
وقال السيوطي أيضا في الكتاب المذكور: وقد سأل بعض أكابر العلماء بعض الصوفية في عصره: ما حملكم على أن اصطلحتم على هذه الألفاظ التي يستشنع ظاهرها ؟ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدعيه من لا يحسنه ويدخل فيه من ليس من أهله، إلى أن قال: وليس من طريق القوم إقراء المريدين كتب التصوف، ولا يؤخذ هذا العلم من الكتب"

لكن الغريب أن السيوطي ، عاد مرة أخرى ليكفر ابن عربي بعد أن دافع عنه ، ففي كتابه (التحبير في علم التفسير) يقول :" ويحرم تحريما غليظا أن يفسر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ كما فعل ابن عربي المبتدع الذي ينسب إليه كتاب الفصوص الذي هو كفر كله ".

في كل الأحوال ، يظل ابن عربي لغزا محيرا للجميع ، وبتعبير المناوي في (طبقات الأولياء) واصفا أحوال الناس من ابن عربي : وقد تفرق الناس في شأنه شيعاً وسلكوا في أمره طرائق قددا ..فذهبت طائفة إلى أنه زنديق لا صدّيق، وقال قوم: إنه واسطة عقد الأولياء، ورئيس الأصفياء، وصار آخرون إلى اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه".

في أبيات شهيرة له، يلخص لنا ابن عربي مذهبه في          (وحدة الأديان) ..

 

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة       فمرعى لغزلان ودير رهبان

وبيت أوثان وكعبة طائف             وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بالحب أنى توجهت                ركائبه فالحب ديني وإيماني

 

   فالرجل هنا يرفض بوضوح تعدد الأديان ، متبنيا طرحه الخاص الذي  أسماه (دين الحب)  الذي تنضوي تحته كل عقيدة .

وفي الوقت الذي نظر فيه البعض إلى أبيات ابن عربي السابقة كأيقونة وشعار للتسامح الديني ، رأى فيها آخرون أن هذا ما هو إلا اختلال في الرؤية وشطط في الفكر وتساهل في العقيدة.

وابن عربي  يؤمن بأن القول بالكثرة والتعدد وهم وخداع للحواس وقصور من العقل البشري، لأن الحق واحد، والمنهل والمآل واحد، والحقيقة واحدة وهي الذات الإلهية.

وعلى هذا انتهى ابن عربي إلى أن العابد الحق هو من يعبد الله في كل هذه الصور فعبادة أي موجود من الموجودات وفي أي مكان، وأي زمان، وعلى أية صورة، هي عبادة لله الواحد، ولهذا يقول: "العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء ... العارف من رأى كل معبود مجلي للحق يعبد فيه. ولذلك سموه كلهم (إله) مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك".

وحتى لا يترك الأمر هكذا ، فقد ميز ابن عربي بين مفهوم الناس للإلوهية وبين ذاتها أو (عين الله)، فعنده أن الذات واحدة لا تعدد فيها ولا تجزئة ولا انقسام، وهي لا يمكن إدراكها بأي سبيل للإدراك. أما الإلوهية كمفهوم فتتصورها الأذهان على هيئات متعددة.

كذلك يؤمن ابن عربي بـ (وحدة الوجود ) ، وله عبارات وأشعار في ذلك لعل أشهرها ما جاء في (الفتوحات المكية ) : " سبحان من خلق الاشياء وهو عينها " ، وكذلك البيتين الواردين في ( فصوص الحكم ) :

 

يا خالق الأشياء في نفسه         فأنت لما تخلقه جامع

تخلق مالا ينتهي فيك          فأنت الضيق الواسع

وبمثل هذا الكلام حكم ابن تيمية وغيره من العلماء على ابن عربي بالكفر .

ولا شك أن اعتبار الخالق والمخلوق واحداً، يعد كفرا صريحا لا شك فيه .

ولكن يبدو أن في حالة ابن عربي هناك التباس ما أو غموض ، ربما كان أسلوب الرجل هو السبب في وقوعهما ، لكن وللحقيقة فالرجل له عبارات في مواضع أخرى من مؤلفاته تنفي نفيا صريحا ومقاطعا أنه يقول بالحلول أو بوحدة الوجود .. من ذلك ما ورد في كتابه (اصطلاح الصوفية) حين يقول : "الاتحاد تصيير ذاتين واحدةً، ولا يكون إلا في العدد، وهو محال".

وكذلك ما قاله في كتاب(الكنه فيما لابد للمريد منه): "ليس كمثله شيء(، وحسبك هذا، فكل وصف يناقض هذه الآية مردود".

وهو أيضا القائل "إذا كان وجود الخالق ووجود المخلوق واحدا .. فلا معنى لقيام حوار العشق بينه وبين الله"، وهي المقولة التي نقلها عن ابن عربي  الكاتب طه عبد الباقي سرور في كتابه ( الحلاج شهيد التصوف الإسلامي) وعلق عليها قائلا : وهذه آية الآيات على نفي الوحدة ونفي الحلول في منهج الحب الإلهي الصوفي .

وهذا الكلام يكفي لإثبات تنزيه ابن عربي  لربه، وأنه كتب كلاماً موهماً، ولكنه شرحه بأنه أراد اتحاد إرادتين، أو أن الفعل من الله ومن العبد؛ بمعنى أنه من الله خَلقاً، ومن العبد كسباً، أو أن العبد لا يفهم ربه إلا بما يعرف من نفسه؛ لقصور فهمه، وهو في كل هذا الكلام، لا يشبِّه ولا يجسِّم، ولا يعتقد حلولاً ولا اتحاداً.

التعليقات