إبراهيم الخواص .. الزاهد المتوكل

إبراهيم الخواص .. الزاهد المتوكل

يصفه أبو نعيم الأصفهاني في (حلية الأولياء) بأنه : " المتبتل المتوكل ، تبتل عن الخلق وتوكل على الحق... له في التوكل الحال المشهور والذكر المنشور".

إنه أبو اسحق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص، من أهل العراق، كان يصنع الخُوص و يأكل من بيعه ، فلقبوه بالخواص ، وهو واحد من أعلام التصوف  في القرن الثالث الهجري.

 ويحكي لنا الزاهد الصوفي ممشاذ الدينورى فيقول:

كنت يومًا في مسجدي بين النائم واليقظان، فسمعت هاتفا يهتف: إن أردت أن تلقى وليا من الأولياء فامضي إلى تل التوبة. فقمت وخرجت، فإذا أنا بثلج عظيم، فذهبت إلى تل التوبة، فإذا إنسان قاعد مربع على رأس التل وحوله خالٍ من الثلج قدر موضع خيمة، فتقدمت إليه، فإذا هو إبراهيم الخواص، فسلمت عليه وجلست إليه، فقلت: بماذا نلت هذه المنزلة؟ فقال: بخدمة الفقراء.

ويُحكى عن الخواص أنه  كان يحمل دومًا إبرة وخيوطا وركوة ومقراضاً، فقيل له: يا أبا إسحاق لم تحمل هذا وأنت تمنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله سبحانه وتعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.

ويروى أنه سمع ذات يوم صوت لهو ومجون وعبث ينبعث من أحد البيوت فهمّ بنصح أهله فتوجه إليه وإذا بكلب شرس يعترضه فعاد من حيث أتى وهو مطأطىء الرأس ودخل المسجد وصلى ثم خرج وعاود المحاولة فلم يجد للكلب أثراً. فلما اقترب من باب البيت خرج إليه شاب مشرق الوجه مبتسماً وهو يرحب به معتذراً: لو أرسلت في طلبي لأتيتك ولك علىّ عهد الله ألا أعود لما يزعجك أبداً ووفى الشاب بعهده. ولما سئل إبراهيم: ما منعك من الدخول المرّة الأولى؟ قال: لو كانت نيتي في المرة الأولى خالصة لما اعترضني شيء فكان علىّ أن أصححها ففعلت واستغفرت ربى فوفقت لما أريد.

ومع تزهده وتصوفه ، كان للخواص عناية بالعلم والمعرفة ، وكان العلم من وجهة نظرة هو أن : "لا تتكلف ما كفيت، ولا تضيع ما استكفيت ".

وانطلاقا من أرضيته الصوفية ، كان الخواص يتحدث عن المعرفة الحدسية فيقول : " علامة حقيقة المعرفة بالقلب خلع الحول والقوة وترك التملك مع الله فى شيء من ملكه، ودوام حضور القلب بالحياء من اللّه، وشدّة انكسار القلب من هيبة اللّه، فهذه الأحوال دلائل المعارف والحقيقة فمن لم يكن على هذه الأحوال فإنّما هو على الأسماء والصفات ".

وعلى ما يبدو فقد كان (التوكل) هو النقطة المحورية في منهج الخواص الصوفي ، وقد مرت حياته بتجارب ومواقف علمته أن يتوكل على الله بشكل مطلق ، فقد روى عنه أنه قال: لقيت غلاما فى التيه كأنه سبيكة فضة، فقلت: إلى أين يا غلام؟ فقال: إلى مكة حرسها الله، فقلت: هل تسير بلا زاد ولا راحلة ولا نفقة؟ فقال لي: يا ضعيف اليقين، الذي يقدر على حفظ السموات والأرض، ألا يقدر أن يوصلني إلى مكة المكرمة بلا علاقة ؟ قال: فلما دخلت مكة المكرمة حرسها الله فإذا أنا به فى الطواف.

وكما يروي لنا صاحب (حلية الأولياء) ، فقد كان الخواص يقول: "العارف باللّه يحمله اللّه بمعرفته، وسائر النّاس تحملهم بطونهم ومن نظر الأشياء بعين الفناء كانت راحته فى مفارقتها، ولم يأخذ منها إلا لوقته".

 وكان يقول أيضاً: "الرّزق ليس فيه توكل إنما فيه صبر حتى يأتي اللّه به فى وقته الذي وعد وإنما يقوى صبر العبد على قدر معرفته بما صبر له أو لمن صبر عليه، والصبر ينال بالمعرفة وعلى الصابر حمل مؤونة الصبر حتى يستحق ثواب الصابرين، لأن اللّه تعالى جعل الجزاء بعد الصبر قال اللّه تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلماتٍ فأتمّهنّ قال إنّى جاعلك للنّاس إمامًا". فالجزاء إنما وقع له عليه السلام بعدما أتم حمل البلوى. وقال كذلك: "من صح توكله فى نفسه صح توكله فى غيره".

ومن أجمل ما قاله الخواص في وصف الفقراء والمتوكلين :

 

معطلة أجسامهم لا عيونهم              ترى ما عليهم من قضاياه قد يجري

جوارحهم عن كل لهو وزينة                    محجبة ما أن تمر إلى أمر
فهم أمناء الله في أهل أرضه                ملوك كرام في البراري وفي البحر
رءوسهم مكشوفة في بلادهم              وهم بصواب الأمر أسبابهم تجري
عدول ثقات في جميع صفاتهم                   أرق عباد الله مع صحة السر

 

عاش الخواص حياة الفقر والزهد ، ومن روائع ما يؤثر عنه ما قاله في الزهد : "من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه".

أما المراقبة عنده  فهي "خلوص السر والعلانية لله عز وجل من الداخل ومن الخارج. والمحبة هي محو الإرادات وإحراق جميع الصفات والحاجات وإغراق نفسه فى بحر الإشارات".

وربما تلخص منهجه كله في تلك الكلمات : "إن الله يحب ثلاثاً ويبغض ثلاثاً، فأما ما يحب: فقلة الكلام وقلة النوم وقلة الأكل، وأما ما يبغض: فكثرة الكلام وكثرة الأكل وكثرة النوم".

وفي أواخر أيامه كان إبراهيم الخواص يكثر البكاء ويتضرع إلى الله قائلا: " يا رب قد كبرت وقد ضعف جسمي وقلت عبادتي فأعتقني بفضلك من النار فإني لا أقدر على أن أمكث فيها لحظة".

 

 

 

التعليقات