النرجسي والحساس في العلاقة.. مغناطيس وحقل ألغام!

النرجسي والحساس في العلاقة.. مغناطيس وحقل ألغام!

 

"أقطاب المغناطيس المختلفة تتجاذب"..مثلما ينجح هذا القانون في الفيزياء ينجح أيضًا في العلاقات الإنسانية وخصوصا في العلاقات العاطفية. الأشخاص المختلفون في سمات الشخصية ينجذبون لبعضهم ويبدو هذا الإنجذاب واضحًا جدًا على سبيل المثال في العلاقة بين الشخص النرجسي Narcissist والشخص الحساس Empath وهما شخصيتين مختلفتين تمامًا ولكن -للأسف- هذه العلاقة علاقة خطرة وسامة في معظم الأحيان بسبب طبيعة الشخصيات وعدم الوعي النفسي الكافي.

تعالوا أولا نتعرف على الشخص الحساس والشخص النرجسي بشكل مبسّط:

الشخص النرجسي:

الشخص النرجسي هو شخص متمحور حول ذاته ويقدسها بكل الأشكال الممكنة، يهتم في المقام الأول بسعادته وراحته، عادة ما يعطي النرجسي انطباعًا أوليًا رائعًا فهو شخص ذكي ولماح، يجيد استخدام عقله وإمكانياته لكسب الآخرين. قد يكون النرجسي خجولا وانطوائيًا ولكنه يجيد استخدام الحيل الدفاعية حتى لا يعطي هذا الانطباع عن نفسه أمام الآخرين ويكون هذا غالبا عن طريق الهجوم والسخرية والصوت العالي. يهتم النرجسي بمظهره ونجاحه ويحرص على الظهور بأفضل صورة ممكنة أمام الآخرين. يحقّر النرجسي في المعتاد من الآخرين وإنجازاتهم لأن هذا يجعله أفضل ويتعمد عدم إظهار المشاعر العاطفية لأنه يعتبر ذلك  ضعفًا ومن الصعب إرضاؤه بسهولة.

أهم صفة واضحة لدى النرجسي أنه يكره النقد ويكره توجيه اللوم له.

الشخص الحساس:

كلمة حساس أو Empath هي كلمة حديثة نسبيًا في وسط الخبراء النفسيين وهي تشير لمجموعة الشخصيات ذات صفات بعينها. الشخص الحساس هو شخص يتأثر نفسيًا بطاقة الأشخاص القريبين في دائرته، مهزوز أغلب الوقت، وكلما كان الشخص قريبًا أكثر كلما زاد تأثر الشخص الحساس به. الشخص الحساس هو شخص يغلب عليه الجانب العاطفي، يستطيع إظهار الحب والمشاعر بأشكال مختلفة ويستطيع قراءة الأشخاص المحيطين به عاطفيا بسهولة..معطاء، حساس، يهتم جدًا باسعاد من يحبهم بكل الطرق الممكنة، يكره الشكوى ويتهرب من المواجهات الحادة، يخاف من النقد والشكوى المستمرة، ينتقل بسهولة بين مود السعادة ومود الحزن وعادة هو فريسة ممتازة للإصابة بالاضطرابات والصدمات النفسية والاكتئاب والقلق النفسي بسبب سرعة التأثر بالآخرين وامتصاص الطاقة السلبية. يكره العنف والمشاجرات والصوت العالي.

ماذا يحدث عادًة في العلاقات بين النرجسي والحساس؟

كما لاحظنا، الشخصيتين مختلفتين تمامًا ولكن كل منهما يُكمل الآخر بشكل واضح يجعل الطرفين ينجذبان بسهولة شديدة.. ينبهر الحساس بالنرجسي بسبب ذكائه وجاذبيته وقدرته الكبيرة على أن يملأ عالمه ويشعره بأنه شخص مميز، كما ينجذب أيضًا من قدرته الفائقة على احتواؤه وتفهمه حيث أن النرجسي يستطيع بسهولة اختراق الشخصيات ومعرفة نقاط قوتها وضعفها.  وفي نفس الوقت ينجذب النرجسي لهذا الشخص الحساس المعطاء، العاطفي، عذب اللسان الذي يبذل كل جهد ليرضي شريكه. يلمس الحساس وترًا هامًا عند النرجسي وهو احتياجه للحب غيرالمشروط والتقبل وأن يتم التواصل معه عاطفيًا بدون الحاجة لإظهار المشاعر الجارفة بشكل مستمر لأن هذا الأمر -كما ذكرنا- صعب عليه.

مع مرور الوقت، يجعل النرجسي الحساس ظلا له، يطير في سمائه ويدور في فلكه وقد يبدأ بانتقاده وزعزعة ثقته بنفسه عن طريق الألعاب النفسية التي يجيدها النرجسي بشكل فطري، محاولا جعله الطرف الأضعف في العلاقة وسيكون تحديد مصير العلاقة فقط في يد الشريك النرجسي وكان الشخص الآخر لا رأي ولا حياة له. بالتدريج يبدأ الحساس بالشعور بأنه ضعيف، مسلوب الإرادة وأنه الطرف الوحيد الذي يستثمر ويبذل جهدًا لانجاح العلاقة وقد يشعر في بعض الحياة بأنه شخص غير مرغوب به من الأساس!

دائمًا ما تحدث سيناريوهات ثابتة كلها مؤسفة في هذه العلاقات: إما أن يمل النرجسي ويرى أن العلاقة غير كافيه لاشباعه فيهجر شريكه تمامًا أو يدخل في علاقات أخرى ويهمل شريكه تمامًا كأنه غير موجود، أو أن يشعر الحساس بالانهاك النفسي وينسحب وينهي العلاقة -إذا استطاع خوض المعركة النفسية وإذا كان النرجسي يدعم ذلك القرار بالصدفة- أو أن تستمر العلاقة سنوات طويلة ولكنها تكون دائمًا حقل ألغام مهدد بالانفجار في أي لحظة نتيجة للخلافات التي لا تنتهي وصعوبة التواصل بعد وصول الاختلافات الجوهرية في الشخصيتين ذروتها ويزيد الأمر سوءًا إذا كان النرجسي أو الحساس أو كلاهما مصابان باضطرابات نفسية شديدة الحدة. كأن يكون النرجسي مصابًا باضطراب الشخصية النرجسية أو الحساس مصاب باضطراب أيضًا مثل اضطراب الشخصية الهستيرية، أو الاعتمادية، أو الحدية على سبيل المثال وقد يكون كل طرف مصابًا بعدة اضطرابات مجتمعة.

ماهي الحالة الوحيدة التي قد تنجح فيها العلاقة؟

يحدث هذا نادرًا، ولكن لا سبيل لانجاح تلك العلاقة إلا إذا كان هناك وعيًا نفسيًا بين الطرفين بطبيعة شخصية كل منهما وإذا كانا مصابين باضطرابات أم لا، وأن يصل كلاهما لطرق وأساليب للتواصل بشكل يناسب كل منهما ويراعي هذا الاختلاف الكبير وهذا لا يحدث في المعتاد لأن النرجسي عادة لا يعترف بنرجسيته ولا يعترف بأنه شخص أناني ويُسقط دائمًا مشاكل العلاقة على الطرف الآخر وفي نفس الوقت يتخاذل الطرف الحساس ويصمم- بشكل مثير للدهشة- على لعب دور الضحية في العلاقة ويجعل حدوده مخترقة ويتنازل عن شخصيته وهويته ويخاف من المواجهة ومن طلب احتياجاته النفسية والعاطفية تحت اسم الحب أو بسبب الرغبة المرضية في إرضاء الطرف الآخر والخوف من الهجر وهذا للأسف يُظهر أسوأ ما في النرجسي من صفات بمرور الوقت.

لهذا، يجب أن يكون هناك فهم ووعي كاف بأن هذه العلاقة لن تكون علاقة سهلة ولن تنجح بين الطرفين أبدًا إلا إذا تم العمل من كلا الطرفان على إنجاحها ورفع مهارات التواصل  وبالتأكيد لن تنجح إلا إذا كان هناك ما يكفي من الحب.

التعليقات