كلب الجيران

كلب الجيران

 

لن أدعى أننى لم أتأثر بالظروف المعيشية الصعبة التى يشتكى منها معظم المصريين، ولن أدعى أننى لم أكتو بنار الغلاء.. لكننى على الرغم من ذلك أجدنى أقول هل من مزيد!

كنت أزعم أن الشعب يعيش ظروفا معيشية غاية فى القسوة، بل كنت أتصور أن قطاعا عريضا من فئة (الموظفين فى الأرض)، يكملون عشاءهم نوما، لكن يبدو أنها كانت مجرد أوهام لا أساس لها من الصحة.

لقد رسخ الآن فى يقينى، بعد كثير من المتابعة والتدقيق والتمحيص، أن الشعب المصرى يعيش رفاهية من تلك التى يطلقون عليها أنها وصلت إلى حد البطر.

من يعرفوننى قد يعتقدون أننى أسخر، كما يسخر آخرون من أوضاعنا (الصعبة)، لكن الحقيقة أن ما أقوله قناعة ترسخت فى يقينى.

إننا بالفعل نعيش حالة من الرفاهية تستلزم مزيدا من التقشف ومزيدا من رفع الدعم.

قلت فى البداية إننى أول المكتوين من موجة غلاء الأسعار، حتى لا يتهمنى أحد بأننى أعيش فى برج عاجى ولا أشعر بما يشعر به الشعب، ولكن ما أراه من مشاهدات يومية يجعلنى أطالب بما طالبت به، وإلا فبما نفسر ظاهرة اقتناء الكلاب المستوردة التى أغرقت الشوارع، فلا تكاد ترفع قدما أو تحطها، إلا وتجد شابا أو فتاة، أو ربما رجلا أو سيدة يجر كلبا (لولو) بسلسلة أنيقة لا تنم أبدا هى ولا الكلب المربوط بها على أن من يقتنيهما يعانى ظروفا معيشية صعبة.

كيف نتصور أن أسرة فقيرة الحال تشترى كلبا لن أحدثكم عن سعره ولا عن تجارته الرائجة التى أصبح لها سماسرة وتجارا فى كل مكان،؟! ثم كيف لأسرة فقيرة أن تشترى هذه الإكسسوارات باهظة السعر، ثم تشكو فيما بعد الظروف المعيشية وتطالب بمزيد من الدعم؟!

هل يعقل أن تطالب بمزيد من الدعم لتأكل هى طعاما مدعما، ثم تشترى لكلابها التى تقتنيها طعاما مستوردا؟! أو كيف تطلب علاجا مدعما، بينما تبادر -إن مرض الكلب- بالذهاب به إلى المراكز البيطرية التى تبيع الدواء البيطرى بأضعاف ما تعالج به أبناءها؟!

لقد صعقت وأنا أرى سكان العمارة التى أقطنها كل واحد منهم يأخذ كلبه ساعة (العصارى) يتمشى به فى أحد الشوارع الجانبية التى تحيط بنا، هم من نفس طبقتنا الاجتماعية، لا أعرف كيف يدبرون مستلزمات كلابهم.

كنت أظنهم فى البداية اشتروها إرضاء لأبنائهم وتحت تأثير إلحاحهم، ولكننى فوجئت بعد ذلك أنهم اشتروها بإلحاح من رغباتهم ومجاراة لتلك الموضة التى اجتاحت معظم الأسر المصرية.

لا أجد تفسيرا لهذه الحالة الغريبة التى انتابت الشعب المصرى، إلا أن تكون انفصام فى الشخصية، نعم انفصام فى الشخصية، شعب فقير لا يكاد يجد قوت يومه ثم يستدين ليقتنى كلابا مستوردة لمجرد أنها (هوجة) وموضة.

أو أن يكون الشعب المصرى لا يعانى حاجة ولا عوزًا، هو فقط يدعى الحاجة، يدعى الفقر، بينما يعيش حياة البذخ والترف.

إذ كيف لشعب لا يستطيع أن يستغنى عن التكييف حتى فى الأجواء المعتدلة ولا عن المدفأة فى الشتاء، أن يكون شعبا فقيرا محتاجا؟

كيف لشعب أصبح المصيف جزءا من ضرورياته أن يكون شعبا فقيرا يطالب بمزيد من الدعم ويصرخ من رفع أسعار الكهرباء والمحروقات؟

نعم تظل هناك فئات بين الشعب مطحونة، دخلها لا يفى باستكمال ضرورياتها، لكن حقها للأسف الشديد يضيع بسبب فئات أخرى تافهة تعيش بذخا لا يناسب أوضاعنا المعيشية.

أظننا فى حاجة لضبط إيقاع الحياة وضبط وتيرتها حتى لا يجوع الجائع ويتمادى التافه فى تفاهته.

التعليقات