الدولة والسلطة في أدبيات حسن البنا

الدولة والسلطة في أدبيات حسن البنا

ينظر حسن البنا إلى الدولة التى كان يسعى إليها على أنها «دولة دعوة»، محكومة بسلطان الشريعة، وذلك انطلاقا من المبدأ السياسى الإسلامى، الذى استوى على سوقه فى زمن الأمويين، الذى كان يرى أن وظيفة الحاكم هى «حراسة الدين وسياسة الدنيا». ولذا فإن الدولة فى نظر البنا هى التى تنشر الدعوة، وتنظم الجهاد، وتسعى لتحقيق «الأخوة الإسلامية» وتمكين الإسلام، ونشر رسالته. وبذلك فيجب أن تكون دولة مرهوبة الجانب، حسب رؤيته.

ورأى البنا أن الدولة التى ينشدها يجب أن تتأسس على أركان تتواءم مع تصور القرآن، فتهتم بمختلف العبادات وعلى رأسها الصلاة والزكاة والصيام، وتهتم بالأخلاقيات العامة مثل العفة والترشيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتقيم شكلا من التعامل بين الحاكم والمحكوم، فيرعى الأول الثانى، ويطيع الثانى الأول، وتعمل على بناء شخصية المسلم القادر على العمل والكسب، والمتزود بالعلم والمعرفة، والحريص على بدنه وحواسه وفهمه. كما تقوم الدولة برعاية الإنفاق لتحقيق التكافل والتضامن الاجتماعى، وتجهيز المقاتلين فى سبيل الله.

ويرى البنا أن من وظائف الدولة أيضا بناء نظام سياسى يعبر عن الشريعة الإسلامية، وتحقيق العدالة بوصفها قيمة عليا فى الدين الإسلامى، ونشر الدعوة والجهاد، باعتبارهما أمرين مرتبطين ارتباطا وثيقا. كما يرى أن من وظائف القائم بالحكم وواجباته إقامة العدل، وهو ما ظهر فى خطاب أرسله للملك فاروق الأول، ملك مصر والسودان، وإلى رئيس وزرائه مصطفى النحاس باشا فى أول مايو1947 قال فيه إن على الراعى أن يقيم العدل فى الأمة وهذه مسئوليته أمام الله تبارك وتعالى.

ويحدد البنا ركائز قوة الدولة فى تكييف نظامها الاجتماعى وفق التصور القرآنى، ووجود قيادة سياسية قوية وموحدة، واتباع لا مركزية الحكم، بحيث تمتد إلى المال العام والجيش والإدارة المحلية، والتمسك بالخصوصية الحضارية والإبداع فى إطارها مع الاستفادة من عطاءات الحضارات الأخرى، وضرورة الالتزام الإيمانى من دون هيمنة المؤسسة الدينية على المؤسسة السياسية. أما عوامل تداعيها وانهيارها فهى فى نظره تتمثل فى وجود صراع حول السلطة، أو تنازع الرئاسة والجاه، وغرور الحكام بسلطانهم، وإهمالهم لشئون الناس، وتصاعد الخلافات السياسية والانحياز للعصبيات المذهبية، والانصراف عن العقيدة الدينية، والانغماس فى حياة الترف واللهو والبطر، وإهمال العلوم والمعارف.

ثانيا: السلطة

تنطلق الرؤية السياسية لحسن البنا فى هذه الناحية من ضرورة وجود إمام على أى جماعة مهما كان عددها، لأن غير ذلك فوضى لا يقرها الإسلام. ولهذا الإمام، ويعنى هنا الحاكم، الطاعة إن التزم بالشرع، وهنا يقر البنا بأنه إذا وجد الحاكم الذى يتبع منهج الإسلام فى حكمه فسيصبح الإخوان جنوده وأنصاره وأعوانه. وإن لم يوجد هذا الحاكم فسيعملون على استخلاص الحكم ليتولاه شخص منهم يطبق منهجهم فى الحكم وهو الحكم بكتاب الله وسنة رسوله. أما إذا لم يلتزم الحاكم بكتاب الله وسنة رسوله الكريم فيجب استخدام الوسائل الدستورية للتخلص منه حيث المشاركة فى الانتخابات والمشاركة فى الحكومة وغيره كما سبق فى مبدأ الطاعة وطاعة الحاكم وإمكانية الثورة عليه.

وبدلا من الثورة يطلب البنا ما أسماه «إصلاح الحكومة» ويقول فى هذه الناحية: «إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وبذلك تؤدى مهمتها كخادم للأمة، وأجير عندها، وعامل على مصلحتها، والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين، مؤدين لفرائض الإسلام، غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه.. ومن صفاتها الشعور بالتبعة، والشفقة على الرعية، والعدالة بين الناس، والعفة من المال العام، والاقتصاد فيه. ومن واجباتها صيانة الأمن، وإنفاذ القانون، ونشر التعليم، وإعداد القوة، وحفظ الصحة، ورعاية المنافع العامة، وتنمية الثروة، وحراسة المال، وتقوية الأخلاق، ونشر الدعوة. ومن حقها متى أدت واجبها الولاء والطاعة، والمساعدة بالنفس والأموال، فإن قصرت فالنصح والإرشاد، ثم الخلع والإبعاد، ولا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق».

وقد وضع البنا طريقين للتغيير، الأول يعتمد على الوصول إلى القاعدة العريضة من الناس، والثانى ينصب على تغيير النخبة والطبقة الحاكمة وذلك من خلال الوسائل الدستورية كدخول الانتخابات ومزاولة أعمال السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية. ويرفض البنا الثورة كطريق للتغيير، ويشكك فى جدواها، وقدرتها على إصلاح المجتمع، لكنه لا ينفى احتمال قيام ثورات جراء الظلم والفساد، لكنها إن قامت فلن يكون للإخوان علاقة بها، حيث يقول: «إن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر فى إصلاح عاجل وسريع لهذه المشاكل فسيؤدى ذلك حتمًا إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال وإهمال مرافق الإصلاح. ليست هذه المشاكل التى تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضى الأيام إلا نذيرًا من هذه النذر فليسرع المنقذون بالأعمال».

وبالنسبة لنظام الحكم، يرى البنا أن للحاكم حق تفويض سلطاته للوزارات التى تعمل معه وتنفذ خطته، لكنه هو الذى يتحمل المسؤولية أمام الشعب. وتتطابق رؤية البنا هنا مع رؤية المواردى، فى حديثه عن وزير التفويض، ووزير التنفيذ، فالأول هو الذى يفوضه الإمام فى إدارة بعض الأمور، ويراقبه حتى لا يخرج عن النظام المطبق للحكم، والثانى لا يتخذ قرارات ولكنه ينفذ فقط أوامر الإمام.

ويرى حسن البنا أنه من الأفضل الأخذ بالنظام البرلمانى لأن النظام الرئاسى يجعل الرئيس هو المتحكم فى كل شىء والوزراء يصبحون تابعين له، وهو فى رأيه هذا كان يجارى السياق السياسى العام فى مصر آنذاك. وأن النظام الدستورى النيابى هو أقرب نظم الحكم القائمة فى العالم كله إلى الإسلام هذا على حد تعبير حسن البنا حيث يكفل هذا النظام ثلاثة مبادئ هى أساس نظام الحكم الإسلامى لأنه يحقق مسؤولية الحاكم، ووحدة الأمة، واحترام إرادتها. ويحافظ على الحرية الشخصية، ويجعل الأمة مصدر السلطات، ويضع حدودا واضحة بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويجعل الأخيرة مسؤولة أمام الشعب، ومن حقه أن يحاسبها.

لكن لم يلبث البنا أن ناقض نفسه حين رأى أنه ليس من الضرورى أن يكون هناك تعددية حزبية، بدعوى أنها تؤدى إلى تفرقة صفوف الأمة، إنما يجب أن يقوم هذا النظام على وجود حزب واحد أو عدم وجود أحزاب سياسية. فالبنا كان يرى أن الأحزاب مفرقة لا مجمعة، وأن قادتها يأخذونها سببا للوجاهة الاجتماعية، ولذا كان يطالب بـ«القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية فى وجهة واحدة وصف واحد».

وهناك عاملان أثرا بشدة على موقف البنا من الأحزاب، الأول هو التحالف الخفى بين الإخوان والإنجليز من ناحية، والظاهر مع الملك فاروق من ناحية أخرى، والطرفان كانا حريصين على ضرب حزب الوفد باعتباره قائد الحركة الوطنية من أجل الاستقلال والدستور، والثانى شخصى يتعلق بالجماعة أو بالبنا نفسه، فالجماعة كانت ترى أن الأحزاب تقف حجر عثر أمام انفرادها بالمجال السياسى العام، وبعض هذه الأحزاب قاومت، بشكل ظاهر فكر البنا ومسعاه. أما البنا فقد أخفق فى الفوز بمقعد برلمانى أمام مرشحى الأحزاب حين ترشح أكثر من مرة بدائرة «الدرب الأحمر» بالقاهرة، رغم أن بها المركز العام لجماعته.

وبالنسبة للسلطة القضائية فهو يرى أنها المنوط بها تحقيق العدل بين الناس، لذلك لا بد من استقلالها حتى لا تخضع لأى ضغوط مادية أو معنية تؤثر على حياديتها، وكان هذا مفهوما فى ظل ترسخ هذه الثقافة فى المجتمع المصرى آنذاك، لاسيما أن النخبة السياسية المتمكنة كانت من الحقوقيين.

وكان البنا يدعو إلى ما أسماه «بث الروح الإسلامية فى دواوين الحكومة بحيث يشعر الموظفون جميعا أنهم مطالبون بتعاليم الإسلام.. ومراقبة سلوك الموظفين الشخصى وعدم الفصل بين الناحية الشخصية والناحية العملية» على أن «توزن كل أعمال الحكومة بميزان الأحكام والتعاليم الإسلامية، وقد طالب بهذا فى رسالته المعنونة «نحو النور» والتى وجهها إلى من لقبه بصاحب المقام الرفيع، وهو لقب كان يتلقب به رؤساء الوزارات فى العصر الملكى.

التعليقات