رابعة الحقيقة والوهم

رابعة الحقيقة والوهم

 

كلما مر مصرى فى شوارع رابعة، تذكر تلك المشاهد العجيبة التى كانت عليها قبل أربعة أعوام، حينما بحث فيها من ظن بقدرته أن يتحدى إرادة شعب عن موطئ قدم.

الأسئلة تطارد العقول: لماذا سالت كل هذه الدماء هنا؟ هل من سقطوا فى الميدان من المعتصمين شهداء، أم مجرمين، أم ضحايا لإحدى كبرى عمليات غسيل المخ فى التاريخ الحديث؟ تتعدد الإجابات والموت واحد.

فى رابعة الميدان، ما زال ذنب الأرواح التى أزهقت -أيا كان أصحابها وتصنيفاتهم - يطارد قيادات تنظيم الإخوان أينما ذهبوا، حتى لو استمروا فى ممارسة الكذب المعلن، ستظل الحقيقة تؤلمهم وإن لم تنطق بها ألسنتهم.

سيظل الهاربون خارج الميدان والوطن من قيادات الإخوان، يصارعون النفس، يقولون لأنفسهم كل ما خلدوا لها: «هنا تركنا نساءنا وأبناءنا وبناتنا فى مواجهة شعب أبى أن يسرق منه وطنه، هنا تخلينا عن إنسانيتنا وأبوتنا وعقيدتنا الحقيقية، من أجل عقيدة (البنا)، وأفكار (قطب)، هنا شحنا عقول أبنائنا بشعارات صنعناها نحن على فراش عشق السلطة، ورددوها خلفنا مخدوعين، فضيعنا أنفسنا وأضعناهم، هنا حملنا السلاح وما كنا أهلا له، سيقولون أيضا: هنا عشنا الوهم 45 يومًا، حتى صدمنا المصريين بالحقيقة فى ساعات».

فى الرابع عشر من أغسطس 2013 كان الفض، «الزمان» مر على المصريين غير مكترث بتهديدات خرجت من هذا المكان «رابعة»، عام واحد كان كافيا كى يكتشف المصريون حقيقة الإخوان، لكن أربعة أعوام منذ هذا التاريخ، لم تكن كافية كى يتفهم الإخوان حقيقة المصريين، فيظلوا محتفظين بالحقيقة فى وجدانهم سرًّا، ويداعبوا الوهم من استديوهات قنواتهم علنا، ربما يصدقهم أحد، أو يصدقوا أنفسهم فيتخلصون من عذاب الحقيقة بترسيخ شرعية مفتعلة للوهم.

ربما لم يعلم قيادات تنظيم الإخوان، إن نهايتهم كانت يوم أن طمعوا فى حكم مصر التى هى أكبر وأعظم من تنظيمهم البغيض، لكنهم عبثا ظنوا أن بمقدورهم سرقة وطن، والتربع على سلطة دون إرادة شعب، فعاثوا فى الأرض فسادًا فأصبح عشق السلطة لديهم إدمانا والقتل فى سبيلها حلال، وفى الإرهاب والاغتيال جهاد، وشفاء لنفوسهم المريضة.

أربعة أعوام مرت على أفشل خطة وضعها تنظيم سياسى لإدارة أزمة فى التاريخ، خطة رهنت الحفاظ على الوجود الإخوانى فى السلطة بالبقاء فى شوارع ميدان دون الالتفات لأصوات أخرى مناهضة فى باقى الميادين، خطة بحثت عن العودة إلى السلطة، التى فى سبيلها لا يوجد محظورات فلتسقط الدماء، ويموت الأبناء، وتحرق الأرض، حتى يعيش التنظيم.

مر الزمان وبقيت الحقيقة فى شوارع رابعة شاهدًا على انتهاء وهم اختزال دولة فى تنظيم، مر الوقت وبقيت شوارع رابعة دون تلك الوجوه الهائمة فى عشق السلطة الحرام، ودون تلك الأصوات التى حللت القتل والإرهاب والتضحية بالنفس والابن والمال من أجل شرعية مزعومة، بقى الميدان تاركًا معتصمى الماضى لـ«وهمهم» ولأبناء الوطن «الحقيقة».

التعليقات