أدبيات حسن البنا السياسية «2»

أدبيات حسن البنا السياسية «2»

 

تنتهى الأصول بتحديد الموقف من مسألة التكفير حيث يقول البنا: «ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض -برأى أو بمعصيةـ إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر».

وبذا يكون البنا قد فتح الباب واسعا أمام التكفير، ولا يقلل من هذا قوله بأن الخلاف الفقهى فى الفروع لا يكون سببا للتفرق فى الدين، ولا يؤدى إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمى النزيه فى مسائل الخلاف فى ظل الحب فى الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.

ويرى البنا أن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو «دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء. ويجعل من القرآن والسنة هما مرجعية كل مسلم».

ورغم أن أغلب جوانب هذه الأصول لا تمس السياسة مسا مباشرا، فإنها تشكل فى كليتها إطارا عاما ظل يحكم تصورات البنا، والجماعة من بعده. وإن كان هو أو جماعته قد خرجا عن تلك الأصول لأسباب فرضتها الظروف، وكانت فى جلها سياسية، فإنه، ومرشدى الإخوان من بعده، ظلت لديهم القدرة الدائمة إلى الإضافة والحذف والتأويل، حسب مقتضى المصلحة السياسية، بل إن الجماعة أعادت كتابة تاريخ البنا وسيرته بما يتماشى مع ما يحقق مصالحها المتغيرة.

وقد حاول البنا أن يجعل شمولية الإسلام متجسدة فى جماعته، فوزع انشغالها واهتماماتها على مختلف المسارات أو المجالات الحياتية التى يعتنى الإسلام بها. بينما هناك تصورات أخرى، تقوم فى أساسها على نقد الادعاءات الظاهرة فى مشروع جماعة الإخوان، بينت بشكل جلى أن الشمولية يجب ألا تكون مركوزة فى جماعة واحدة، إنما يراعى أصحاب كل تخصص أو مسار حياتى أو نشاط دنيوى قيم الدين وتصوراته فى التفكير والتدبير، كل فى مجاله.

ب ـ تسييس الإسلام: رغم أن القرآن الكريم نص صراحة على أن الإسلام دعوة خاتمة للبشرية جمعاء وليس دولة فإن البنا يذهب فى الاتجاه المعاكس. فالقرآن يخاطب النبى قائلا: «فذكر إنما أنت مذكر.. لست عليهم بمسيطر» وفى هذا نزع السلطان الدنيوى عنه أو الملك لأن جوهر الأخير هو السيطرة والتحكم، سواء بالبطش والقهر أو بالعدل والحكمة. وما كانت للرسول هى سلطة روحية قادت من حوله إلى أن يضعوه فى موضع الصدارة فى تسيير مسائل حياتية مادية، لكن ظل ما أتى به، بشيرا ونذيرا، منبعه النبوة وليست الملك، وطريقه هو دعوة الناس إلى الإيمان وليس إلى السلطان. ومع هذا أقامت جماعة الإخوان أفكارها ومسارها على تسييس الإسلام، أو تحويله إلى مشروع سلطة أو ملك، وهى مسألة تتضح بجلاء فى قول حسن البنا: «الإسلام الذى يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ، كما يعتمد على الإرشاد.. والحكم معدود فى كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقيهات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر. والمصلح الإسلامى إن رضى لنفسه أن يكون فقيها مرشدا، يقرر الأحكام، ويرتل التعاليم، ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة فى واد، ونفخة فى رماد، كما يقولون» .

ويعود البنا ليخاطب أتباعه: «إذا قيل لكم: إلام تدعون؟ فقولوا: نحن ندعو إلى الإسلام الذى جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم: هذه سياسة، فقولوا: هذا هو الإسلام. نحن لا نعرف هذه الأقسام.. يا قومنا، إننا نناديكم والقرآن فى يميننا، والسنة فى شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام، وتعاليم الإسلام، وأحكام الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيا، فنحن أعرف الناس، والحمد لله، فى السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء، متى وضحت المسيمات، وانكشفت الغايات» .

وبالطبع لا يمكن، من الناحية الواقعية، إنكار ما بين الدين، أى دين، وبين السياسة من اتصال، لكن هناك فارقا كبيرا بين التقاء المجالين فى مفاصل حياتية عادية، يحاول فيها الدين أن يمنح السياسة إطارا أخلاقيا، وبين توظيف الدين فى الوصول إلى السلطة أو الحكم، أو تحويله إلى أيديولوجيا، بما ينقله من عقيدة دينية إلى عقيدة سياسية، أو الزعم بأن ما تطرحه الجماعات الدينية السياسية هو التصور الإلهى للحكم والإدارة.

ويشمل التصور السياسى للبنا، فى العموم، ربطا بين الإسلام والعمل السياسى، بوجه لا لبس فيه، بغية إقامة الحكم الإسلامى وتحرير الوطن الإسلامى و«إقامة الأمة الإسلامية» وتحقيق الوحدة الوطنية والعربية والإسلامية، والترحيب بالنظام الدستورى والنيابى، والتنديد بالأحزاب والحزبية، وحماية الأقليات والأجانب، وهى الأهداف التى حددها هو للعمل السياسى. لكن الجماعة لم تتمكن فى تطبيق هذه اللافتات والشعارات العامة فى الممارسة السياسية الحياتية، فظلت طيلة الوقت تستعير نص البنا باعتباره ردا على منتقديها، وكأنها بهذا قد تمكنت من الرد بالفعل، أو بنت حجة سليمة، ففضلا عن أن النقد كان موجها إلى الممارسة بالأساس فإن نص البنا نفسه لم يخل من تشوهات وتناقضات ظاهرة، كما سيتضح فيما بعد.

ج ـ السياق العام: ما كان لحسن البنا أن يتجاهل بالكلية السياق السياسى والاجتماعى والفكرى العام الذى نشأت فيه جماعته. فالظروف التى أحاطت بنشأته، هو شخصيا، وتطوره الفكرى وانخراطه فى العمل العام، فيما بعد، كانت تعانى من عدم الاستقرار، وتشهد تحولات سريعة، وصراعات مستمرة، فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء داخل المجتمع المصرى، أو الإقليم، أو حتى العالم بأسره فى هذه الفترة.

ففى تلك الأيام سقطت الخلافة الإسلامية، وسادت أفكار حول «الجامعة القومية»، واتسعت نبرة التحدى للاستعمار فى إهاب حركات وطنية ليبرالية وقومية، وظهر اتجاه يرمى إلى تنقية التراث وتجديده، وصار جدل حول التصورات التى أطلقها جمال الدين الأفغانى، والاجتهادات التى فتح بابها محمد عبده، فى مقابل اتجاهات تغريبية واضحة، ونشاط للمجموعات التبشيرية، ومحاولة البعض التوفيق بين الوافد والموروث، أو البحث الجاد فيما تركه الأسلاف، مثلما فعل رشيد رضا.

وحين تم إطلاق جماعة الإخوان المسلمين فى عام 1928 كانت مصر تعرف نظاما ديمقراطيا، إلى حد كبير، ولها دستور ينتصر للفصل بين السلطات، ويعلى من شأن الحريات العامة، ويؤمن بالتعددية، بل إن هذا الدستور نص على أن «دين الدولة هو الإسلام واللغة العربية لغتها الرسمية»، بما يقلل من حجية الذين كانوا ينعتون الدولة بالخروج التام على الدين، وبالتالى يبررون قيام جماعات إسلامية سياسية تسعى للوصول إلى السلطة لتطبيق الشرع، حسبما تنادى فى شعاراتها، وينقلون الأمر من تحديد «دين الدولة» إلى إقامة «دولة الدين».

من هنا بدت أفكار البنا السياسية متأثرة بالسياق الذى نبتت فيه جماعته، أو انطلقت دعوته، ولهذا حملت قدرا كبيرا من التحايل والمجاراة والمدارة، فالرجل كان يعرف أن بعض من انتموا إلى جماعته فى البداية أعضاء فى أحزاب سياسية على رأسها الوفد، ولم يكن بوسعه أن يتجاهل هذا، وقد تيقن من خطورة التنكر له، حين بدأ يدخل بجماعته إلى غمار الحياة السياسية فانسحب منها وفديون ومنتمون لأحزاب أخرى وأبلغوه إنهم انخرطوا فى صفوف جماعة الإخوان من أجل الدعوة الدينية، أما الانتماء السياسى فهو لأحزاب يحملون عضويتها. وقد استعملت جماعة الإخوان رؤية البنا فى رفض الحزبية فى تبرير قيام جمال عبد الناصر، وقت أن كان الإخوان فى تحالف معه، بالتخلص من الأحزاب عند نجاح حركة الضباط فى 23 يوليو 1952.

ولم يلبث البنا نفسه أن تخفف من كثير من أفكاره تباعا، لا سيما مع صعود نفوذ التنظيم الخاص، وظهور أفكار متشددة، زادت واستفحلت وسيطرت بعد رحيل البنا، وتعزز مكانة سيد قطب وتصوراته، ليخف تأثير السياق القديم الذى نشأت فيه الجماعة على أفكارها السياسية اللاحقة، ليس لتبدل السياقات فقط، إنما لتغير خطط الجماعة وأساليب عملها، التى لا تجد غضاضة فى تغيير مقولاتها وأفكارها حسبما تقتضى مصالحها ومنافعها. ووقع التغيير الأكبر بعد ثورة 25 يناير المصرية، حيث وجدت الجماعة الطريق مفتوحا أمامها للوصول إلى السلطة، وهو ما مكن لها شهورا قبل أن يخرج ملايين المصريين مطالبين بـ«سقوط حكم المرشد».

التعليقات