قف لا تقترب!

قف لا تقترب!
 
في مشهد لن أنساه من فيلم "طيور الظلام" جلس عادل إمام ينظر من شرفة عالية مطلة على نيل القاهرة الذي يخترق العاصمة وعلى جانبيه الحدائق والزهور البهية، وتنعكس الأضواء على صفحته، وتصطف اليخوت على مرساه وهو يقول: "البلد دي اللي يشوفها من فوق غير اللي يشوفها من تحت، اللي عاوز يشوفها حلوة على طول.. يشوفها من فوق..
 
تحت فيه خنقة وزحمة وفقر وهوا فاسد.. الناس ماشية في الشوارع بتخبط في بعض..."
 
هكذا تبدو دائما معظم الأشياء من بعيد، أجمل وأوضح ويخيل لنا أن الصورة كاملة، فتغرينا نحو الاقتراب لكن عندما نفعل، تتضح الحقائق والتفاصيل، نكتشف أنه من الأفضل أن تظل الأشياء بعيدة وجميلة كما هي في الخيال.. فرؤيتنا من بعيد للأشياء تشبه منظور الطائر من السماء، يتصور أن الأرض فردوسا، وحين يهبط تتصيده الأفخاخ.
 
بالطبع قد شاهدت صورا كثيرة للنجوم والكواكب التي تنشرها "ناسا" معظم الوقت، فهل كنت ترى الفضاء هادئا؟
 
في الحقيقة ومن بين كل هذا الهدوء والسلام والسكون، أنت تقيم في كوكب لا يخلو تاريخه من الحروب والمجاعات والإرهاب والحرائق والمذابح الجماعية وسفك الدماء وأسلحة الدمار الشامل والأوبئة والفقر..
 
وهكذا كل شيء من بعيد..
رؤيتنا لصور المدن ومشاهدها من أعلى هي ملخص حكاية الكائنات الحية والبشر والعلاقات العاطفية والنساء، تبدو الأشياء بعيدة المنال حلوة، تهفو لها النفوس.. مجلوة براقة تخدعنا، وبمجرد حصولنا عليها نجدها لا تتوافق مع توقعاتنا وما رسمناه في الخيال..
 
يحدث هذا كما في العلاقات، نوحل في الحب ونوغل في حبائله، ويضر بنا الوجد، ولا يكون دعاءنا إلا بالوصل والتمكن ممن نحب، ولا تطرف العين عن الحبيب، تتنقل معه، ونميل حيث يميل ونتلون معه كالحرباء تحت الشمس، فنرى كما لا يرى الناس،  فلا أغيد ولا غيداء بعد الحبيب، نقبل بالحديث وننصت بتمعن، ونتعمد القعود بجانبه والدنو منه، ونستلذ الكلام عنه حين يغيب..
 
عندما نقع في شرك الغرام يصبح للحب حكما على النفوس، ونفاذًا لا يُرد، يغيب العقل أحيانا ، لكنه بعد فترة يصير مصدرا للقلق، وجوده ثقيلا موترا للأعصاب جالبا للهم ومستنزفا للطاقة مسببا السأم.
 
سمعنا كثيرا عن الملل والتبرم في حياة المقربين منا، وكيف تغلغل الزهد بين الأحباب.
يقع التحول من الشغف إلى اللامبالاة كحادث مأساوي يزلزل الحياة كلها، ويفقدنا الرغبة في التمسك بها، يقتل الأمل فيما هو آت، ويغير مفاهيم الإيمان لدينا، يحرق العمر والأحلام، يأتي جارفًا في طريقه الذكريات والأحداث المشتركة، فلا نحن وقعنا في الحب من قبل، ولا التقينا في الأماكن الخربة البعيدة نحسبها الفردوس، ولا نحن عصينا آباءنا وتمسكنا باختياراتنا التي أصحبت الآن مقيتة، وفضّلنا الهجر عن الوصال، وارتفعت بيننا الأسوار، فما عاد ينفع عتاب ولا ندم، ولن تعود الأيام لنتراجع أو ندقق في حقيقة توقعاتنا وما يقابلها من الواقع.
 
ونحن نعلم جيدا أسباب هذا السقوط، نسمع عنه لكننا نستبعد حدوثه المقيت، لكنه مع ذلك يحدث وسيتكرر حدوثه في مرحلة ما عندما تحترق كل الأوراق وتنكشف كل الأسرار، فتتصدع العلاقة نتيجة للتكرار والتشبع.
 
يحدث كما نلتهم مأدبة عظيمة ساعة جوع فنصاب بالتخمة..
 
 يحدث لسوء تصرفاتنا، لفهمنا الخاطيء حول التواصل، بسبب أنانيتا المفرطة وتخطي المسافة مع الحبيب، وبسبب الاهتمام الزائد به والذوبان فيه والدخول في التفاصيل، المطاردة طوال الوقت وعدم إعطاء مهلة للتجدد، ولإعادة دورة الرغبة في الاقتراب والحديث والاشتياق.
 
فعندما تزيد الأشياء عن الحد تنقلب للضد، تأمل نفسك حين تضحك بسعادة غامرة، أو تتحقق لك أمنية بعد طول انتظار، ستجد عينيك تغرغرهما الدموع!
 
نحن لا نريد أن نترك الـ"مسافة"، نعتقد بأن التوحد في الآخر يعني الحماية، نحاول أن نطبق ما نسمعه في الأغاني، وننسى أنها مجرد أمنيات كتبها الشعراء وكانوا يتمنون ما نتمناه.
 
لكن الحقيقة أن "الفواصل" تصنع الحب، تمنح الصبر، وتبقي على اللهفة، تمنح فرصة للفهم جيدا والاستيعاب..
 
اقرأ جيدا ما قالته أحلام مستغانمي تعبيرا جيدا عن فهم المسافة في العلاقات العاطفية، فهي تسمي الحب ذكاء المسافة وتقول "ألّا تقترب كثيراً فتُلغي اللهفة، ولا تبتعد طويلًا فتُنسى. ألّا تضع حطبك دفعةً واحدةً في موقد من تُحب. أن تُبقيه مشتعلًا بتحريكك الحطب ليس أكثر، دون أن يلمح الآخر يدك المحرّكة لمشاعره ومسار قدره"
 
وقبل أن تعيد مستغانمي تذكيرنا بالمسافة، كان علي بن حزم الأندلسي قد أوصى بها العشاق في كتابه الشهير "طوق الحمامة"، فلكي تحظى بالأمل المتجدد والعشق المتوهج عليك ألا تطمئن، الاطمئنان يجعلك ترتخي، تغفل عن الحب حتى يتبخر منك تدريجيا..
 
احذر من الاقتراب..
 
الاقتراب أكثر من اللازم خطأ فادح، يقتل الحب، يكشف نقائص المحبوب، ويفضح عنك عيوبك، فتضمحل تدريجيا تلك الإثارة، ويذهب عنكما الفضول وتنضب المفاجآت سريعا..
 لا تكن لحوحا.. اتقن لعبة الكر والفر،  تمنّع، واهجر، ثم ارجع، امنع وامنح، اقطع الوصل بالمحبوب ثم عد من جديد، اوعد وهدد، اصنع الخوف وبدده فهكذا تطيل عمر الحب، غياب فحضور، ألذ من الوصال المستمر فكما قال نزار قباني:
"الحبُ فى الأرض بعضٌ من تَخَيُّلِنا ...  إن لم نجده عليها لاخترعناه"
التعليقات