«خورشيد».. شهامة غلبت إهمال السنين

«خورشيد».. شهامة غلبت إهمال السنين

بشىء من الصدمة سمعوا صوت الاصطدام الرهيب، هرعوا نحوه مسرعين، فها هما قطاران متصادمان فى قريتنا، فماذا نحن فاعلون؟ هيا بنا، لا وقت للتفكير.. خطواتهم جذبها صراخ المستنجدين داخل العربات الحديدية، «الحقونا .. بنموت»، فلبوا النداء بكل طاقاتهم فى سباق مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ليكتبوا أسماءهم فى سجل «أهل الشهامة والمروءة» الذى أمتلأ بأسماء بسطاء مصر أكثر من مسئوليها.  

أهالى خورشد الإسكندرية، كانوا أول من تلقى صدمة حادث القطارين المأساوى، وأول من استوعبها، وصل بسطاء القرية قبل أى مسئول لمكان الحادث لإنقاذ المصابين، وقاموا بدورهم وواجبهم الإنسانى تجاه ضحايا الحادث، فمنهم من سابق الزمن لنقل الضحايا، ومنهم من خلع ملابسه لربط أوردة مصاب لوقف نزيفه، وآخر سارع بالتبرع بالدم، وآخر استخدم سياراته لنقل المصابين قبل وصول سيارات الإسعاف، وعشرات تجمعوا متحدين أجزاء عربات القطار الحديدية، فى محاولة لاستخراج الضحايا، قبل وصول الأوناش، خورشد كانت شاهدة على ذلك. 

فى شهامة أهلها، قُل ما شئت، وفيما عانوه من حرمان على مدى سنوات، قل ما شئت أيضا، فإذا كانت المنطقة العشوائية هى المناطق غير المنظمة التى نشأت دون تخطيط عمرانى وتراخيص وحرمت من الخدمات والمرافق؛ إذن فخورشد مصنَّفة كمنطقة عشوائية أصيلة «مثل ما قال الكتاب»، تعانى مما يعانى منه نحو 50 منطقة عشوائية أخرى بالإسكندرية من حرمان. 

عاش أهلها محرومين عبر سنوات طويلة من زيارة المسئولين إلا فى حالات نادرة لاتتعدى أصابع اليد، وبين ليلة وضحاها وجدوا المحافظ والوزراء والمسئولين والقيادات الأمنية على أرض قريتهم، ليس تلبيةً لنداءاتهم التى ظلت سنوات، لكن للقيام بواجبهم نحو ضحايا حادث القطارين، ليجدوا أهالى القرية يقدمون لهم كل العون والمساعدة التى حُرموا منها لسنوات، رافعين شعار «لا وقت للعتاب، نحن فداء المصابين وأهالينا». 

فى خورشيد الإسكندرية، ترى وتسمع قصص معاناة المواطنين ينتابك شىءٌ من الغضب، قصص يعرفها جيدًا من مر عبرها إلى البرلمان، لكنه تركها أو نساها على بابه، أهلها البسطاء بينهم من ظل سنوات ينتظر وصول الصرف الصحى إليه، ومنهم من يعانى يوميا أثناء ذهابه إلى عمله من ضعف شبكة الطرق، ومن يخشى على أبنائه من تَبِعات البلطجة، ومنهم من ينتظر أن تصله خدمات من الدولة لكن طال انتظاره.

ربما لم ينس أهالى خورشد، مناداتهم للحكومة والمسئولين حتى عام 2009 مطالبين بتوصيل الصرف الصحى، حينها طالبت شركة الصرف الصحى كل أسرة بمبالغ مالية فاقت طاقاتهم كرسوم لتوصيل الخدمة تضاف على فاتورة المياه، وأيضا ربما ما زال عالقا بذاكرتهم تجاهل المحافظين والمسئولين لطلباتهم برصف الطرق، وتطوير الخدمات. 

وبلا شك لم ينسوا أيضا يومًا زارهم فيه محافظ الإسكندرية الأسبق هانى المسرى، فى مايو من العام 2015، ليعقد مجلسا تنفيذيا للمحافظة داخل قريتهم، ويقرر تخصيص 7 ملايين جنيه لتطويرها، ليذهب المسيرى، وتذهب قرارات التخصيص أدراج الرياح، ويعود التجاهل الطويل واقعًا تعيشه المنطقة البسيطة. 

هذا التجاهل الذى لم يُقسِ قلوب البسطاء على أبناء وطنهم ضحايا حادث القطارين، ولم يزدها غلظة، فكانوا أول الحضور إلى مكان الحادث، وآخر من غادره، ليضربوا مثالا فريدا فى الشهامة الوطنية، ربما يجعلهم جديرين بزيارة أخرى من المسئولين يوما ما، لكن زيارة إلى «خورشيد القرية» وليس «خورشد مكان الحادث».

التعليقات