مابين البيت والشارع!

مابين البيت والشارع!

 

تواصلت معى إحدى تلميذاتى ممن يتخرجن هذه الأيام وكانت تناقشنى حول ما طرحته امامهم من خطط مستقبلية للعملأواستكمال دراساتهم بعد الكلية فى مجالات مختلفة فى تخصصهم. وعرفت منها انها قد تزوجت فى نهاية التيرم الأول والآن قد من الله عليها بجنين فى احشائها وأنها تنوى فعل كذا وكذا...!
" حامل؟؟حبيبتى، الحمل هو المسئولية الأولى الآن، هى المسئولية الأولى التى ستسئلين عليها، رتبى أولوياتك بطريقة صحيحة أرجوكى."
وأنا أصحو، أنبنى ضميرى أننى لم أنبهها أن الحمل مسئولية الأب تماماً مثلما هو مسئوليتها، وأنه مثلما وجب عليها تأجيل احلامها بعض الوقت لمراعاة الجنين الغالى وتوفير عوامل السكينة والراحة له، وجب على الأب وكل المحيطين بها أن يساعدوها على هذا ويوفروا لها ولجنينها أسباب الهدوء والاستقرار إن أرادوا جسدا صحيحا و شخصية سوية لطفلهم القادم. عليهم أن يساعدوها قبل أن يحاسبوها على نتاجها. تتكون الخلايا العصبية والسمات النفسية للجنين فى بطن أمه، تماما كما تتكون أعضاؤه ويكبر جسده. لمصلحة من أن تتم هذه المعجزة الدقيقة و الحساسة تحت ضغوط؟ ومن يقول أن تكرار الحمل والولادة كل يوم فى كل ثانية فى كل أرجاء الأرض يعنى أنها عملية عادية لايجب الالتفات لها والوقوف امام عظمتها؟ ماذا تعرفون عن الوهن؟ عن الصعوبة؟ عن العمق؟ عن الجهد؟ عن المتعة والعذوبة؟
وعلى نفس أهمية فترة الحمل تكون السنوات الأولى من عمر الطفل، فهى سنوات التكوين والتشكيل واستكمال بناء العقل والنفس مع الجسد النامى بسرعة. بالفعل تفرغ الأم للطفل فى هذه المرحلة ضرورة واجبة لايمكن النظر لها على أنها عمل متدنى أو مسيء لذكاء المرأة أو امكاناتها، بل على العكس، من تميز المرأة أنها قادرة على هذا .وضرورة ان يشترك المجتمع كله فى راحة الأم وتفرغها لهذه المسئولية الكبيرة ضرورة أساسية، لم ينتبه لها أحد فى خضم حرب خروج المرأة للعمل ودراستها وتحققها، عاقب المجتمع المرأة الطموحة بوضع شروط عنيفة أمامها، إما هذا أو ذاك!! إما التحقق والأحلام او الأمومة! ونسيت البشرية أن المرأة تقدم لها هذه التناسل وليس لنفسها، وأنها تدفع ثمنها من الصحة ومن العمر ومن حياة تعيشها مضطربة تحت تأثير الهرمونات التى تتعرك فى جسدها لتفعيل معجزة الله فى خلقه!
فى إحدى روايات الخيال العلمى، "الانسان الأنثى"  للكاتبة الامريكية جوانا روس، The Female Manتخيلت  الكاتبة عالماً للنساء فقط، كان من أساليب الحياة فيه أن المرأة الحبلى تتفرغ للطفلة تماما ولمدة خمس سنوات بعد شهور الحمل. تتفرغ بالمعنى الكامل ، فلا تقوم بأعمال منزلية ولا أعمال لجلب الرزق ولا مسئوليات شريك حياة ولا مسئوليات اجتماعية ولا أى شيء. خمس سنوات هى الوقت الحقيقى المطلوب لاكتمال شخصية الطفل بعيدا عن العصبية والصراخ والضغوط. والنتيجة طفلة هادئة صحيحة مكتملة. كون الموضوع طٌرح فى رواية خيال علمى لايعنى أنه خيالى أو لانحتاجه. الخيال العلمى نمط يساعد الكاتب على اختبار أفكار اعتيادية فى محيط أوسع من الاحتمالات لاتقدمها الرواية الواقعية.
لكن لماذا تصرخ الأم فى الواقع لإى وجوه الأطفال؟ فى أغلب الأحيان تفعل تحت كثرة الضغوط المطلوبة منها، تحت وطاة الحاجة للعمل مع رعاية الأطفال، تحت وطأة احلامها الشخصية المؤودة ومرور الوقت. وما ادراكم مايعنى مرور الوقت للنساء! الوقت هو الحد الفاصل الذى تضعه قوانين الطبيعة لقدرتها على الأمومة.والوقت هو السيف الذى يضعه المجتمع أمام أنوثتها وبعده لاتصبح أنثى من وجهة نظرهم!
تأتينى هذه الحكمة بعدما مر الوقت وكبر أولادى بالفعل! بعدما مررت بكل التعب والمعاناة ودفعت ثمنها وحدى أنا وأولادى دون أن افهم ماذا أواجه ولا كيف أواجهه ودون أن أعيى بدقة ضرورة أن أرتب أولوياتى وان أرضى بها، تلقيت المساعدة فقط ممن آمنوا بى وأشفقوا علىّ فهنيئاً لهم إحسانهم. عشت على حبل مشدود، مهووسة بالشارع وأنا فى البيت، مسكونة بالبيت وأنا فى الشارع، فعشت ممزعة بين هذا وذاك، تغلبنى أمومتى فى أغلب الأحيان فأترك كل شيء من أجلها ويظل جزء منى تعيساً، ثم تغلبنى أحلامى فأسعى وراءها ويظل جزء منى قلقاً، و تمر السنوات ويتحقق نجاح ما على هذا الصعيد، ورضا ما على الصعيد الآخر على حساب الصحة فى المقام الأول والكثير من التقصير هنا وهناك فى المقام الثانى. بينما لم يكن هناك داعِ من الأصل أن أضطر أن اختار بين هذا وذاك، ولا داعِلأى إمراة أن تختار. كان من الممكن أن تكون الفرص متاحة ومتساوية أمام الجميع فقط لو تعاملنا مع المرأة كمخلوق مساوِ ونظرنا الى الأطفال بوصفهم مسئولية مجتمعية مشتركة بحق.
خسرت أياماً كان لابد من قضائها أنعم بضحكة اطفالى واللعب معهم وأنمى أرواحهم وقلوبهم دون النظر الى الساعة او حتى التفكير فى أعباء تنتظرنى! وإن كنت أبدو قد أحسنت توقيتات اختياراتى فأنا أعلم أننى لم أستمتع بها.
المجد كل المجد لكل أم حملت هذا العبء وواجهت العالم وأحسنت الاختيار!
المجد كل المجد لكل إمرأة تعيش تحت وطأة كل هذه المعاناة دون أن تقتل احداً بل وتعد لأسرتها المحشى!
المجد كل المجد لكل أم علمت ابنتها قسوة الحياة وضرورة احسان الاختيارمبكرا فى العمر!
المجد كل المجد لكل أب يكرم ابنته كأميرة، ينمى روحها وعقلها وقلبها وحين تتزوج يحرص أن يتأكد أن شريكها لايلقى بما فعله فى قلب مستنقع الانانية و الصلف ولا يطمئن قلبه أنه اعطى "الوكالة" لذكر آخر وانتهى الأمر!
المجد كل المجد لأبى الذى حمل المسئولية مع أمى، كان فى ظهرها يدفعها للنجاح والتقدم دون مّنِ أو مزايدة وربى أميراته على المساواة فى الانسانية وحرية الأرواح وكنا فى عينيه وقلبه!
إبنتى، الأمومة هى معجزة الله فى جسدك، تجربتك الأوسع والأعمق والأشمل، عطاؤك للحياة وللبشرية فى صورة بشرتحملينهم وهناً على وهنوتربيهم ليصبحوا أسوياء سعداء يعمرون الأرض ويمجدون الخالق، لو ظلمتك الحياة وأساء إليكِ الناس بحرمانك من حقك فى الحلم بجنب هذه الرسالة السامية فلا تحزنى، لو قرروا نفى تحقق ذاتك ومعاقبتك بما وجب أن يكرموكى عليه واجبارك على الاختيار ما بين الأمومة والتحقق الشخصى فلا تسيئى لنفسك ولا أجيال أخرى بإختيارات سيئة. إن اخترتى الأمومة  فاحسنى التنفيذ، وهو يبدأ بحسن اختيار الأب، وحسن اختيار البيئة المناسبة للحمل، والتفرغ الكافى الواعى لسنوات الطفولة الأولى. وافعلى دون تأفف ودون تفكير فى الاحلام والفرص الضائعة، كل الفرص لن تعوض يوماً هانئاً مع طفلك، وكل الفرص لن تعيد لك صحتك المهدرة تحت الاحباط. وان اخترتى التحقق فافعلى دون ندم أو حزن، وإن قررتى أن تكونى إمرأة استثنائية وتجمعى بينهما فاعلمى أن الحياة ستكون رحلة دائمة التوفيق والتبديل، فى كل لحظة فتسلحى بما تحتاجين من قوى وحكمة.
وان كبر الطفل وقررتى أن تدركى بعضا من احلامك، فلا تتأسفى على ضياع الوقت،  ابدأى مهما كبر سنك، واشركى الجميع فى احلامك فإن رفضوا فلا تحزنى، توكلى على الله وابدأى، علمى ابنك او ابنتك قيمة السعى لآخر لحظة، انفضى تراب السنوات من فوق جسدك واخرجى للحياة فى الأربعين، الخمسين، الستين رغم أن كل الفرص تكون قد قاربت على النفاذ، وكل الشروط تكون قد فاتتك! لا تكترثى ولا تعبأى. و إن سألك سائل و"أين كنتى كل هذه السنوات ؟" أصمتى. فقط استدعى صورى ابنك السعيد المكتمل فى عينيكى وأمضى!

 

التعليقات