علاقتنا مع الغرب بعيدا عن نفق صدام الحضارات

علاقتنا مع الغرب بعيدا عن نفق صدام الحضارات

ظلت شعائر الإسلام واضحة نقية، مثلما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بدون أي تحريف أو تبديل، وهو ما يشكل أحد أهم جوانب تفوق الإسلام على الديانات الأخرى، مؤكدا أن مصدر القرآن من الوحي الإلهي، على النقيض من الكتب الأخرى المقدسة لدى غير المسلمين.

فقد شكل الإسلام استكمالا لما سبقه من تجارب دينية على مسار التوحيد الخالص، بعيدا عن خرافات النحل الوثنية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم تقريبا، وربما كانت تلك النحل الباطلة، بمثابة أديان توحيدية صحيحة في الأصل،ولكنها ابتليت بداء الخرافات والبدع، التي لم تجد من يتصدى لتصحيحها باستمرار، ومن هنا تبدو عظمة وأهمية التجربة الإسلامية، فقد كان هناك من العلماء دائما من يواجه أدنى قدر من الانحراف عن العقيدة الصحيحة.

وإذا كانت الرواية الغربية عن تاريخ العالم، وما يضطرب من أحداث، أصبحت معروفة بصورة تكاد تكون منتشرة في أنحاء العالم، ن فإن وجهة النظر الإسلامية، تكاد تكون غير معروفة على الإطلاق، بالرغم من الأهمية التي يمثلها الإسلام في تجربة الحضارة العالمية، خلال الفترة التي أعقبت ظهور الدين الحنيف في القرن السابع الميلادي، مع ملاحظة أن المسلمين لديهم مدرسة تاريخية في غاية القوة والاتساع، ويكفي الاطلاع على أمهات الكتب التاريخية الكبرى، لدى المسلمين، حتى يدرك الجميع مدى عمق الدراسات التاريخية التي اضطلع بها المسلمون، بل إن التاريخ بالذات احتل مكانة بالغة الأهمية في الدراسات الإسلامية، وبالتحديد التأريخ للغزوات والوقائع الكبرى التي اجتازها الإسلام منذ بدء الوحي وحتى الآن، وبالرغم من أن المسلمين أولوا عناية فائقة لوطنهم الإسلامي العظيم، فإنهم لم يتجاهلوا ما يحدث في المناطق الأخرى المأهولة من العالم، على غرار متابعة الصراع بين الفرس والروم، الذي تناوله مطلع السورة التي تحمل اسم الروم في القرآن الكريم، لذلك فقد حرص الإسلام على أن يحث المسلمين  على الاهتمام الفائق بأحداث العالم، باعتبار أتهم جزء من هذا العالم، ويجب أن يقوموا بدور محوري فيه.

لذلك فمن الضروري التنقيب في العلاقة الجدلية التي شكلت علاقة الإسلام بالعالم الخارجي، فطوال عصور التاريخ الإسلامي، كان الانتماء إلى ديار الإسلام، بمثابة قضية لا تقبل الطعن والتشكيك، فحتى مع اختلاف النظم السياسية، لم ينقطع توافد العلماء والرحالة المسلمين إلى المناطق المتنازع عليها بين الحكام، وحتى أثناء الحروب الصليبية ظل تدفق الحجاج من الأندلس والمغرب، بمثابة تيار لا ينقطع، وبالتالي فإن إدراك المسلمين لتمثيلهم عقيدة واحدة، أدى إلى تشكيل نظرة مغايرة لما يحدث من في المناطق خارج الكتلة الإسلامية، ولكن الاهتمام بأوضاع المسلمين كان النقطة الأكثر بروزا في تعامل المؤرخين والعلماء المسلمين لأية أحداث أخرى.

والتاريخ الإسلامي، جدير بالإجلال والاحترام، فقد كان المسلمون أكثر تحضرا من غيرهم من الفاتحين، وقد كان بمقدورهم أن يقهروا الشعوب المغلوبة للدخول في عقيدتهم قسرا، ولكن شهوة الانتصار وقوة السلاح، لم تصرفهم عن التقيد بأحكام الشريعة الصارمة، التي تمنعهم من الاعتداء على الضعفاء أو إيذاء من لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم البغي والعدوان.

وهناك العديد  من الأحداث المعقدة والمتشابكة التي تمثل مظاهر الصدام بين الإسلام وغيره من القوى السياسية في العالم، على امتداد فترة تصل إلى أربعة عشر قرنا، لذلك من الضروري الاطلاع على المشاهد المعقدة التي تمثل حصيلة التاريخ المعاصر، والتي هي بمثابة تطور لخلفيات الصراعات التي اندلعت خلال القرون السابقة، حتى مع تغير مواقف أطراف جانبي الصراع، في حين أن رواسب الكراهية، لا تزال تستحوذ على فئات لا يستهان بنفوذها في الدول الغربية على وجه التحديد، حتى مع سيطرة نزعة علمانية صارخة على كافة مجريات الحياة، ولكن هذه النزعة تتوارى إذا كان الأمر يتعلق بالإسلام والمسلمين، إذ سرعان ما تطفو على سطح الذاكرة الجمعية الغربية، بقايا ذكريات الحروب الصليبية، وما كانت تطفح به من شرور وأحقاد .

لذلك فمن الضروري الوضع في الاعتبار التحديات التي تواجه الحضارة الإسلامية، فبينما كان المسلمون بمثابة قوة عالمية كبرى، تحققت لديهم الصدمة مع انتهاء تلك الحرب، حيث أسفرت عن انهيار الدولة العثمانية، وإلغاء منصب الخليفة، الذي ظل قائما حتى في أحلك العصور، وكان الخليفة في العواصم الكبرى بين دمشق والقاهرة وبغداد، يمثل الوحدة الجامعة التي يتوق المسلمون إلى تحقيقها، ولم تتوقف صدمة المسلمين على احتلال القوى الغريبة لبلادهم وتدنيسها بسيطرة غير المسلمين، ولكنهم فوجئوا بفرض نمط من الحضارة الغربية ذات الجذور الوثنية الملحدة، عليهم بقوة السلاح، مع تنحية تعاليم الإسلام عن توجيه تيار الحياة، على آخر هذه الكوارث التي تعرض لها المسلمون في فترة لا تتجاوز عدة أعوام، وكان على المسلمين أن يخوضوا هذا الصراع العنيف، بكل ما تبقى لديهم من عزيمة على الجهاد والإصرار للخروج من هذا المأزق العصيب، لذلك فإن مستقبل العلاقة مع الغرب، لن يتجه إلى التفاهم البناء إلا في ظل إعادة صياغة العلاقات مع العالم الإسلامي، على أسس مغايرة لخرافات الهيمنة والاستعلاء، خاصة أن مقولة صدام الحضارات تم اختبارها في كل من العراق وأفغانستان، وتبين أنها أكذوبة فاشلة، لن تفلح في ترويض العالم الإسلامي، لحساب مخططات السيطرة والغربية.

 

 
التعليقات