عندى مشكلة

عندى مشكلة

 

جلست مهموما على أحد المقاهى، الجو خانق، حار رطب، أعتقد أننا بحاجة إلى تغيير الجملة الثابتة فى مقررنا الجغرافى عن مناخ مصر، حار جاف صيفا، دافئ ممطر شتاء، الأصوب نقول لأولادنا إن مناخنا شديد الحرارة وكثيف الرطوبة صيفا، كما أنه شديد البرودة شتاء، كما أن فى مصر فصلين فقط من فصول المناخ هما الشتاء والصيف، ونبطل نكذب على أنفسنا بحكاية الربيع والخريف.

ما علينا من كل ما سبق، فما إن جلست حتى جاء لى صديق العمر متجهما يشتكى لى من صعوبة تعامله مع ابنه الطالب الجامعى، وأن لغة الحوار بينهما تكاد تكون مقطوعة والابن يرى أن أباه هو المقصر وأنه هو الفاشل فى التواصل مع الابن.

أخذ صديقى يرغى ويزبد، ورآنى صامتا لا منفعلا، وقبل أن يبادرنى بالسؤال عن سبب صمتى، قلت له: اسمعنى، ما تشتكى منه حاصل فى بيوت كثيرة ومن بينها بيتى، فالعبد لله يعانى من تلك المشكلة، حيث التواصل بات صعبا مع أولادى، رغم محاولاتى الدائمة لعبور تلك المرحلة وهما أيضا فى المرحلتين الثانوية والجامعية.

عندما انتبهت إلى مشكلة صديقى وتأكدت أنها مشكلة عامة نظرا لكثرة شكاوى الأقارب والأصدقاء، أحببت أن أطرحها على حضراتكم فى مقالى للتواصل والتفاعل، وحتى أنقل إليك أنه ربما ما تعانيه وترى أنه شخصى، ستكتشف أنه عام.

بداية فإن أقل فارق زمنى (عمرا) بين الآباء والأبناء لا يقل عن 30 سنة، يعنى 3 أجيال وهو فارق كبير لكن ما باليد حيلة، بل أحيانا يصل الفارق فى المتوسط إلى 40 عاما بسبب ارتفاع سن الزواج لدى الشباب من الجنسين، ستقول لى: إنه نفس الفارق الزمنى بيننا وبين آبائنا، الإجابة منى هى نعم على ما تقول لكن هناك فارقا جوهريا بين الثلاثين عاما التى تفرقنا عن آبائنا، والثلاثين عاما التى تفرقنا عن أبنائنا، ما هو هذا الفارق.

خلال الثلاثين عاما الأخيرة حدث ما يلى:

1- انفجار معرفى معلوماتى فاق كل ما سبق من معارف وعلوم.

2- تطور العلوم الدراسية بشكل كبير وظهرت دراسات لم تكن على أيامنا مثل هندسة الاتصالات والكمبيوتر والمحمول.

3- أصبح العالم حقيقة لا خيالا «أوضة وصالة» وليس حسب تعبيرنا القديم قرية صغيرة، وأولادنا أصبحوا حزءا من العالم وليسوا جزءا من أوطانهم.

4- انتفت الرغبة من صدور أولادنا للهجرة إلى دول العالم المختلفة، بينما نحن الآباء فقد كانت تطلعاتنا منحصرة فى السفر إلى الخليج ثم العودة لشراء الشقة فى مدينة نصر والزواج.

5- انتشار مواقع التواصل الاجتماعى كفيسبوك وتويتر والواتس آب، وسهل على ذلك ظهور الموبايل الذكى.

6- ازدياد معدلات الذكاء لدى الأبناء، بدلالة أن ما كنا ندرسه من رياضيات وعلوم فى مراحل تعليمنا الإعدادية، يتم تدريسه لأبنائنا فى المرحلة الابتدائية.

كان طبيعيا لكل ما سبق أن تحدث الفجوة بيننا وبين الأبناء، لأن التغيرات السابق ذكرها لم تقع بهذه الكثافة فى الثلاثين عاما الفاصلة بيننا وبين آبائنا، وبناء عليه وحتى يتم التواصل بشكل جيد مع الأبناء فإننى أرى أولا بالاعتراف بحجم التغيير الذى وقع فى حياتنا وعالمنا خلال العقود الثلاثة الماضية، وعلينا القبول به ثم نتعامل على أن أولادنا ليسوا لنا، بل أبناء الحياة كما يقول جبران خليل جبران ونصل إلى صيغة وسط فى التواصل معهم ونقنعهم بأهمية الحوار فيما بيننا، وربنا يهدى.

التعليقات