على ظهر الغول

على ظهر الغول

قال لي الغول: اركب على ظهري لأريك دنيا لم ترها من قبل.

ركبت على ظهر الغول. كان ظهره مغطى بشعر طويل أسود، وجلده ساخن ورائحته كريهة كرائحة عرق وَحْشْ. شعرت بالتّقزز. لكنى أمسكت بخصلات من شعره بكل قوتي كي لا أسقط، إذ لفحت الرياح وجهي عندما انطلق بي طائرا على جناح الهواء.

قال لي: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا نحن على سطح منزلي، والبيوت والسيارات تبدو كما أراها من الشرفة.

قلت: أهذه هي الدنيا التي تريد أن تريني إياها؟ أنا أعرف هذه الدنيا ولا أريد أن أبصرها بعد.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

ثم طار بي ساعة زمانية وقال: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا نحن على قمة مجمع التحرير. رأيت سطح المجمع مليئا بكراسي قديمة محطمة وكراكيب، كما لاحظت أنه شديد القذارة ويحتاج إلى كنس وتنظيف. نظرت إلى أسفل فرأيت طوابير من البشر يدخلون ويخرجون، في أيديهم محافظ أوراق وعلى وجوههم إعياء. تذكرت معاناتي السابقة في هذا المبنى.

قلت: أطنان من أوراق وأختام وتوقيعات، أشياء نعذب أنفسنا بها بلا طائل.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

طار بي ساعة زمانية أخرى، ثم قال: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا نحن على قمة برج يطل على النيل. كان البرج ذا لون قديم باهت لم أستطع أن أحدده وقدرت أنه يحتاج إلى طلاء. نظرت إلى أسفل فرأيت شرفات الشقق الواسعة الفاخرة مدهونة ومبيضة، مثل بقع ملونة في جسد البرج الكالح. والشارع بالأسفل مكدس بالسيارات التي لا تجد مركنا، والمرور في فوضى لا تصدق. رفعت عيني فلم أتمكن من تمييز النيل بسبب سحابة من دخان أسود هبطت على المدينة وأخفت الموجودات. نظرت خلفي فرأيت سطح البرج مليئا بعشش صفيح يعيش بها معدمون أسفل أطباق الدش الضخمة.

قلت: لا أستطيع أن أتحمل تجاور الأبيض والأسود. اختلط اللونان وصار كل شيء رماديا.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

طار بي مرة أخرى، وأحسست أنه قطع مسافة كبيرة هذه المرة، ورأيت مياها كثيرة وشمسا لاسعة ولفحتني رياح قوية.

قال لي: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا نحن فوق بناية الإمباير ستيت في نيويورك، على ارتفاع 381 مترا. وكان هناك هوائي هائل الحجم ينتصب فوقها. رأيت المدينة بناطحات سحابها مثل أعواد ثقاب منتصبة متلاصقة على وشك الاشتعال، والمحيط يحيط بها من كل الجهات.

قلت: هل يكفى المحيط لإطفاء أعواد الثقاب إذا اشتعلت؟ هل يغطى هديره على صوت الصراخ؟

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

طار بي في الهواء وشعرت به يرتفع لأعلى. اضطررت أن أغمض عيني إذ شعرت بهما جافتين من اصطدام الهواء بهما.

قال لي: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

كنت لا أزال مغمضا عيني، شعرت ببرودة قارسة والهواء يضرب وجهي مثل سوط. فتحت عيني بصعوبة فاكتشفت أننا واقفين على جناح طائرة.

نظرت، فإذا الأرض مساحات بعيدة مبهمة غير متمايزة. نظرت إلى يميني فرأيت من نافذة الطائرة رجلا أنيقا متأنقا يتناول طعامه بأدوات مائدة من البلاستيك، وبجواره تقف مضيفة آسيوية مسحوبة العينين تبتسم في تكلف.

حاولت أن أنطق فخرج صوت لم أسمعه أنا شخصيا، كان الهواء يضرب أذني في عنف وشعرت أنني عاجز عن التنفس.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

طار بي الغول مرة أخرى إلى أعلى، وشعرت أن الضوء يخفت والجو يظلم شيئا فشيئا إلى أن غرقنا في ظلام دامس وبرد مرعب.

قال لي: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

فتحت عينيّ فرأيت السواد. وشيئا فشيئا بدأت عيناي تعتادان الظلام فرأيت نقاطا بيضاء كثيرة في الجو. نجوم كثيرة متزاحمة ما أكثرها. نظرت إلى أسفل فرأيت كرة زرقاء تتناثر فوقها السحب، تدور حول نفسها في هدوء. اكتشفت أننا نقف على أحد جناحي قمر صناعي، تماما فوق الخلايا الشمسية التي تمده بالطاقة.

فتحت فمي لأتكلم لكن صوتا لم يخرج من حلقي رغم اهتزاز أوتاري الصوتية. تعجبت كيف لازلت حيا في هذا الجو المفرغ من الهواء.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

ثم طار بي ساعة زمانية. لم أشعر أننا نتحرك كما لم أشعر بالوقت وهو يمر. انخفض إحساسي إلى الحد الأدنى.

قال لي: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا نحن نقف في صحراء قاحلة لها تربة ترابية بيضاء تشبه الفضة، وكانت أمامنا فوهة مستديرة هائلة، وبالأعلى كان هناك كوكب أزرق جميل يشبه الجنة. قدرت أننا فوق القمر، وعلى مبعدة منا رأيت علما أمريكيا قديما.

مرة أخرى لم أستطع أن أنطق.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

طار بي الغول مرة أخرى ساعة زمانية، وبعد قليل شعرت أن سرعتنا تضاعفت وأننا نهوى بسرعة هائلة.

قال لي: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا نحن متشبثين بنيزك يهوى نحو الأرض. كانت الأرض تكبر وتتضخم بسرعة. احتككنا بالغلاف الجوى فبدأ النيزك يتآكل وتكون خلفنا خيط من النار والتراب. شعرت بالذعر لكنى لم أستطع أن أصرخ.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

ثم انطلق بي مرة أخرى. طال بنا الوقت وهو طائر، حتى قال لى أخيرا: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا الجو محمل بسحب كثيفة من الكبريت وحامض أصفر مخضر وحرارة قاتلة. لم أستطع أن أبصر شيئا. لا أرى سوى هالات متوهجة من اللون البني والأصفر والبرتقالي. أحسست بجلدي يتسلخ ويتساقط من الجو الحمضي المحيط بي. قدرت أننا فوق الزهرة، ومرة أخرى لم أستطع أن أنطق.

قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

ثم طار بي ساعة زمانية أخرى، كنت في حالة مؤسفة من الإعياء وشعرت بأن روحي على وشك الخروج منى.

قال: انظر إلى أسفل ماذا ترى.

نظرت، فإذا بي في مكان شديد الجفاف والحرارة وبلا هواء. سقطت على ركبتي فشعرت بألم بالغ. الأرض بالغة الصلابة كأنها مصنوعة من الحديد. نحن الآن فوق عطارد. شعرت برغبة بالغة في التمدد على الأرض الساخنة. كنت في غاية الإعياء، وانتابتني رغبة قوية في الموت.

لما طال صمتي، قال لي: إنسان.. اصبر أيا إنسان.

انطلق بي الغول. وبعد ساعة زمانية بدأت أشعر بحرارة مريعة تزداد شيئا فشيئا. رفعت رأسي الملتصقة بظهره وفتحت عينيّ فرأيت الشمس كرة صفراء هائلة وسط السواد، ولازلت تكبر باستمرار. لم أستطع الاستمرار في النظر أكثر. حاولت النظر من خلال شعر الغول متخذا إياه كنظارة شمس. رأيت وجه الشمس مليئا ببقع سوداء مظلمة. رأيت عواصف شمسية مريعة تدور على سطحها. رأيت انفجارات شمسية وألسنة لهب تنبثق فجأة لآلاف الأميال أعلى السطح.

وعند هذا الحد اسودت عيناي ولم أعد أبصر. كان لحمى قد تعرى تماما بعد أن سال جلدي مثل زلال البيض. أحسست بدخان شواء يتصاعد من لحمى وقدرت أنني، في خلال ثوان قليلة، سأكون قد تحولت إلى كربون وهيدروجين.

التعليقات