جيل الوسط يعلنون بدء المراجعات الفكرية للإخوان

جيل الوسط يعلنون بدء المراجعات الفكرية للإخوان

فى الوقت الذى أعلنت فيه الدولة المصرية رسميًا خلال هذا الأسبوع عن إنشائها المجلس القومى لمكافحة الإرهاب، أعلن جيل الوسط الإخوانى بدء المراجعات الفكرية بعيدًا عن صخب الإعلام، وبهدوء انطلقت المراجعات الفكرية، حيث شق عدد من أعضاء جماعة الإخوان طريقهم للمصالحة مع الدولة المصرية، ومن سجن الفيوم الذى يبعد عن القاهرة مئات الكيلو مترات أطلقوا رسالة، قالوا فيها: (نحن مجموعة من السجناء السياسيين اتخذنا قرارنا بالاستقلال عن القرار السياسى لجماعة الإخوان المسلمين، منا من لم يكن ينتمى لها تنظيميا، وكان يدور فى فلك قرارها، ومنا من كان ينتمى للإخوان تنظيميًّا ثم اتخذ قراره بإنهاء هذا الرابط التنظيمى. لقد مرت مصر فى السنوات الأخيرة بأحداث جسام وحالة استقطاب حادة وصراع مرير ما تزال تعانى من تبعاته حتى هذه اللحظة، فكان لزاما على الأطراف كافة أن يعيد كل منها النظر فى مواقفه السياسية وأفكاره التى صنعت هذه المواقف حتى تستطيع مصر الخروج من الحالة التى تعانى منها، وقد خاطبنا فى ذلك الصدد جماعة الإخوان على مدار أكثر من عام دون استجابة تذكر، وأصرت الجماعة على الاستمرار بالعمل وفق المواقف والأفكار ذاتها، فكان لزاما علينا أن نعيد نحن تقييم هذه المواقف والأفكار.

لقد انتهينا إلى أن جماعة الإخوان كانت جزءا أصيلا من صناعة الأزمة التى تمر بها مصر ومن تأجيج الصراع الذى تعيشه، وانتهينا بعد مراجعة فكرية إلى عدم جدوى وجود هذا النوع من التنظيمات الذى يخلط فى خطابه بين نفسه وبين الدين وينعزل بأفراده عن مجتمعه الذى يعيش فيه ويدخل فى صراعات متكررة مع هذا المجتمع ومع مؤسسات الدولة على حد سواء، وعليه فقد رأينا ضرورة إعلان استقلال أفكارنا ومواقفنا السياسية عن الجماعة، وأننا لم نعد جزءا من هذا الصراع الذى يتهدد الوطن.

عمرو عبدالحافظ، محبوس احتياطيا بسجن الفيوم العمومى منذ 26 شهرًا فى القضية رقم 1747 جنايات الفيوم، وهو حاصل على ليسانس آداب، ويدرس ماجستير بكلية دار العلوم تخصص الأدب العربى الحديث، ويعمل مدرسًا ومدققًا لغويًا، ومعلقًا صوتيًا.. انتمى للإخوان منذ 15 عامًا، وكان عضوًا مؤسسًا بحزب الحرية والعدالة.

أعدّ عمرو عبدالحافظ مراجعات فكرية، قادها مع زملاء له فى السجن، عقب أن اتخذ قراره بالانفصال عن جماعة الإخوان، وهو يعكف الآن على نشر هذه الأفكار الجديدة بين السجناء، وتدوينها فى مقالات دورية، وكتاب يجرى كتابته الآن. يقول عبدالحافظ (إن استمرار الصراع بين الجماعة والسلطة لن يصب فى صالحها ولا فى صالح الوطن، وعليها أن تصفّر هذا الصراع، وتنهيه كخطوة أولى، ثم عليها أن تبحث فى عقدة الصراع وسببه الجوهرى لتعالجه على المدى البعيد حتى لا يتكرر.. فهل يعى إخوان اليوم أنهم مستمرون فى صراع يرونه كُتب عليهم وهو كُره لهم؟). يضيف: (لقد نظر مرسى وجماعته وأنصاره من زاوية وغفلوا عن زوايا أخرى؛ فتشبثوا بما لا يمكنهم عمليا التشبث به، وابتعدوا عن الأخذ بالبدائل المتاحة سياسيا وتمسكوا وما زالوا يتمسكون بموقف أدى إلى انقسام حاد ما تزال مصر تعانى من تبعاته، وسوف تظل تعانى منه حتى ينظروا إلى الأمر من كافة الزوايا ليروا الصورة مكتملة ويبنوا فى ضوئها تصورا جديدا لطريقة تعاملهم مع الحدث.. لقد جرت بعد البنا مياه كثيرة فى بحر الفكر الإسلامى راجعت مقولات البنا واعتبرته مصدرا من بين مصادر، فأخذت من كلامه وتركت ونهلت منه ومن غيره، فانطلقت فى آفاق أكثر رحابة مما فيه إخوان مصر الآن، وهو الأمر الذى ينبغى أن تفطن إليه الجماعة حتى لا تبقى أسيرة أطروحات ربما لو كان صاحبها حيا لغيّرها).

يحكى عمرو لـ(اليوم الجديد) أن إرهاصات المراجعات الفكرية بدأت بسجن الفيوم العمومى قبل عامين، حينما طلب بعض شباب الإخوان من قيادات الإخوان بالسجن عمل ورش عمل للنقد الذاتى تتم فيها مراجعة مواقف الجماعة السياسية منذ أحداث 25 يناير 2011 وحتى اللحظة؛ للوقوف على الأخطاء التى أوصلت الجماعة إلى ما هى فيه من سجون ومطاردة وتشريد، وأوصلت مصر إلى ما تعانيه من تبعات الصراع السياسى، لكن قيادة الجماعة بالسجن رفضت ذلك وأصرت على خطاب المظلومية وتبرئة نفسها من أية مسئولية أو خطأ، بعدها قرر الشباب أن يخوضوا تجربة المراجعة بأنفسهم، فتداولوا فيما بينهم كتبا تعين على المهمة، ونظموا ورش عمل ومنتديات فكرية وسياسية لبحث الأمر، وقسموا مراجعاتهم إلى محورين رئيسين: محور المواقف السياسية للجماعة، ومحور المنطلقات الفكرية التى يتبناها التنظيم منذ تأسيسه سنة 1928. بعد اكتمال المراجعات اتجهوا فى خطين متوازيين: الأول تدوين نتائج هذه المراجعات فى مقالات وكتب؛ وقد نشروا فى ذلك عددًا من المقالات كما أنجزوا الكتاب الأول وفى طريقهم لإنجاز الثانى.. والخط الثانى هو نشر هذه الأفكار بين السجناء السياسيين بسجن الفيوم العمومى، حتى تشكل بمرور الوقت رأى عام بين السجناء يؤيد نتائج هذه المراجعات.. هنا تم الإعلان عن وجود مجموعة السجناء المستقلين بسجن الفيوم فى بيان صدر يوم 10 يوليو 2017 وتضمن إعلان استقلالهم عن جماعة الإخوان وأنهم لم يعودوا جزءا من الصراع بين الإخوان ومؤسسات الدولة. يهدف عمرو عبدالحافظ ورفقائه مستقبلا إلى مزيد من نشر مراجعاتهم داخل السجن وخارجه؛ بهدف تصحيح الأفكار التى تتسبب فى نشوب الصراع بين هذا النوع من التنظيمات وبين الدولة، آملين أن يكونوا جزءًا من حل الأزمة التى تمر بها مصر وسببا فى تقليل احتمالات حدوث مثل هذه الأزمات فى المستقبل.. كما يهدفون إلى أن يقدموا نموذجا ناجحا تقتدى به بقية السجون المصرية، وفق ما صرح به لنا.

وقد أصدر المستقلون كتابين لم يتم نشرهما بعد، الكتاب الأول عنوانه: «الصدمة.. بقلم متساقط على طريق الدعوة»، كتبه حمزة محسن نزيل سجن الفيوم العمومى، يسرد الكاتب فيه تجربته فى البحث عن مواطن الخلل داخل الجماعة، والتى بسببها تلحق بالتنظيم الضخم الهزائم المتتالية؛ لينتهى أخيرا إلى نتيجة مفادها عدم جدوى وجود هذا التنظيم بشكله الهرمى السرى الشمولى، ويدعو فى النهاية أفراد التنظيم إلى مغادرته؛ ليعملوا داخل الإطار الدستورى والقانونى فى مؤسسات متخصصة ينفصل فيها الدعوى عن الحزبى.

يحكى الكاتب عن رحلة مراجعاته التى جاءت فى ثلاث محطات: المحطة الأولى: فترة امتعاض من ممارسات خاطئة لقيادات الجماعة فى السنوات الأخيرة غلبت عليها السذاجة السياسية.

ميز تلك المحطة أنها كانت مجرد وقوف على الأخطاء ثم حصرها فى نقاط محددة كان من أبرزها: عدم دعوة مرسى لانتخابات رئاسية مبكرة؛ متجاهلا مطالب المعارضين، ومذعنا لتوهم جماعته أنها قادرة بأعدادها الغفيرة وبقدرتها على الحشد على مواجهة الدولة بمؤسساتها المختلفة؛ لتكون المحصلة صراعا دمويا مختل الموازين راح ضحيته الآلاف من أبناء الوطن.

زمنيا كانت تلك المحطة فى التفكير هى أقصر المراحل، كما كانت تتعلق فقط بتقييم لـ«أحداث» ومراجعة لأداء «أشخاص».

المحطة الثانية: بدأ فيها  البحث عن أسباب تلك الممارسات الخاطئة؛ فوجد كما هائلا من «القناعات» و«المفاهيم» المغلوطة التى أنتجت تلك الأخطاء الكارثية، ومنها على سبيل المثال: غياب مفهوم النقد الذاتى الذى يخاصم المراجعة وتصويب الأخطاء، والاستعلاء على المجتمع ورفض الانتصاح، والاهتمام بالثقات على حساب الكفاءات، والخلط العجيب بين نصوص الدين المقدسة التى تخص الأمة، وبين التنظيم؛ ذلك الاجتهاد البشرى المحدود، وتقديس الأشخاص على حساب المبادئ.. وغيرها من القناعات الخاطئة التى أدت إلى تلك القرارات الخاطئة.

المحطة الثالثة: وهى المرحلة الأطول زمنيا، والأصعب تماما؛ فقد بدأ الغوص فى عمق «الأفكار» التى خلقت تلك «القناعات» المغلوطة والتى أدت إلى تلك «الممارسات» الكارثية؛ فكانت الصدمة!

صدمة حقيقية أصابت الكاتب فى أفكار الجماعة التى صاغها مؤسسها حسن البنا، والتى كان سابقا من أشد المعجبين بها والمدافعين عنها!

الكتاب الثانى: يعكف على كتابته الآن عمرو عبد الحافظ المحبوس احتياطيا بسجن الفيوم العمومى.

يناقش الكتاب المواقف السياسية التى اتخذتها الجماعة خلال السنوات الست الأخيرة، ومن أهمها: الترشح للرئاسة، وأداء الرئيس الأسبق محمد مرسى حيال الملفات الداخلية والخارجية، ورد الفعل على دعوة قوى سياسية لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، والمنهجية التى تعاملت بها الجماعة مع الدولة بعد 3 يوليو 2013.

كما يناقش الكتاب المقولات الفكرية الكبرى التى تأسست عليها الجماعة عند حسن البنا وسيد قطب، ويناقش قضايا جوهرية منها: الخلط بين الدين والتنظيم، وعلاقة الإخوان بالمجتمع والدولة، والفرق بين شمول الفكرة والتنظيم والفصل بين الدعوى والحزبى، وطريقة تكوين إنسان التنظيم، وانتهاج العنف لتحقيق مكاسب سياسية، ومسألة الدولة بين ثوابت الشرع ومقتضيات العصر.

ويخلص الكتاب فى النهاية إلى أن هذا النوع من التنظيمات جزء من مشكلة الأمة وليس جزءا من الحل وأن الخروج من هذا الإطار الضيق هو واجب الوقت.

التعليقات