بشر الحافي.. العابث الذي تحول إلى ولي صالح

بشر الحافي.. العابث الذي تحول إلى ولي صالح

يقول محمد بن الصلت عن صاحبنا هذا: " كان اسمه بين الناس كاسم نبي "

إنه بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان، شيخ الإسلام أبو نصر المروزى، ثم البغدادي، المشهور بالحافي.

 ولد سنة 152 هـ فى بغداد، وكان اسم جده عبد الله الغيور، ومسقط رأسه كان مرو فى خراسان، وقد أسلم على يدي الإمام علي بن أبي طالب .

جاء في (حلية الأولياء ) للأصفهاني : " كان في ابتدائه في لهو ولعب".

ولكن وبحسب تعبير السادة الصوفية " في لمحة تقع الصلحة".

حين امتن الله عليه بالهداية، خلّى الدنيا وراء ظهره، ، واعتزل الناس، وخلع نعليه وسار إلى الله حافيا، كيوم ولدته أمه.

وعن سر تسميته بالحافي يروي لنا صاحب الحلية : وسبب حفائه أنه كان في ابتدائه في لهو ولعب ف جلس مع رفقائه لذلك فدق رجل بابه فخرجت الجارية فقال: صاحب هذه الدار حر أم عبد.

قالت: حر.

قال: صدقت لو كان عبدا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو ثم ولى.

فدخلت الجارية فأخبرته.

فخرج يعدو خلفه حافيا حتى أدركه وقال: أعد الكلام فأعاده فقال بشر: بل عبد عبد عبد ..وهام على وجهه حافيا حتى عرف بالحفاء.

وقال: ما صالحني مولاي إلا وأنا حاف فلا أزول عن هذه الحالة.

وقيل أيضا أن وراء تركه النعل حكاية تروى، وهو أنه جاء ذات مرة إلى الإسكافي فطلب منه شراكاً لنعله، فقال له الرجل: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس، فطرح بشر النعل من يده، وخلع الأخرى من رجله، وحلف ألا يلبس نعلا أبداً.

ومما يروى كذلك  سبب توبته أنه وجد رقعة فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) كانت في الطريق ( أو في حمام ) تدوسها الأقدام ، فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس، ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهمين غالية، وكان لا يملك سوى هذين الدرهمين ،  وضمخ تلك الرقعة منها، ووضعها حيث لا تنال، فأحيا الله قلبه، .. ويروي هو عن نفسه أنه نام في تلك الليلة فرأى في المنام كان قائلا يقول له: يا بشر بن الحارث رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته لأطيبن اسمك فى الدنيا والآخرة .

شهد له معاصروه وتلاميذه بأنه كان زاهدا عابدا، أهلا للتـأسي والاقتداء.. وكان ورعا فاضلا يحاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة..  وعلى الرغم من الإمام أحمد بن حنبل انتقد عزوفه عن الزواج:  "لو كان بشر تزوج، لتم أمره " إلا أنه لما مات وجاءه خبره قال: مات والله وما له نظير، إلا عامر بن عبد قيس، فإن عامرا مات ولم يترك شيئا.

وعنه يقول الإمام الحافظ إبراهيم بن إسحاق الحربي: "ما أخرجت بغداد أتم عقلا من بشر، ولا أحفظ للسانه، كان فى كل شعرة منه عقل، لو قُسِّم عقل بشر على أهل بغداد، صاروا عقلاء . وطئ الناس عقبه خمسين سنة، ما عرف له غيبة لمسلم، ما رأيت أفضل منه" .

أما الخليفة المأمون فقد قال  عنه: " لم يبق فى هذه الكورة أحد يستحيا منه غير هذا الشيخ بشر بن الحارث".

وقد انغمس بشر فى العلم ،وأصبح من المحدثين الثقات....يقول عنه  الدارقطنى :هو ثقة لا يروى إلا حديثا صحيحا .. ويذكر ابن عساكر : أنه تتلمذ فى الحديث على مجموعة كبيرة من العلماء وانه دخل على انس بن مالك وسمع منه وحدث عن حماد بن زيد والفضيل بن عياض ويحي بن اليمان وغيرهم..

و مع ذلك ،كان بشر يتحسب لرواية الحديث النبوى، ولذا قل ما روى عنه من المسندات، بل قيل إنه دفن كتبه، تخوفا من أن يكون بها ما يخالف الشرع، ويغضب الله.

وقد سئل ذات مرة: لم لا تحدث؟ فقال: أنا أشتهى أن أحدث، وإذا اشتهيت شيئا، تركته.

وعن أيوب العطار: إنه سمع بشرا يقول: حدثنا حماد بن زيد.. ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد فى القلب خيلاء.

ومنذ توبته اختار بشر أن يحيا زاهدا متقشفا، مؤكدا أن "الجوع يصفّى الفؤاد، ويُميت الهوى، ويورِّث العلم الدقيق".

وكان يقول: "المتقلب فى جوعه كالمتشحط فى دمه فى سبيل الله".

ويروى أنه قد أقام بعبدان يشرب ماء البحر، ولا يشرب من حياض السلطان، حتى أضر بجوفه، ورجع إلى أخته وجعا، وكان يعمل المغازل ويبيعها، فذاك كسبه.

ومع كل هذا التقشف ، كان الرجل سخيا كريما ، وكان يقول لأتباعه: "شاطر سخي أحب إلى الله من صوفي بخيل".

بعد تصوفه وتزهده ، خاصم بشر الشهوات والملذات ، وحسب رؤيته فإنك "لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سدا" .. وقد أدى به هذا إلى الإضراب التام عن الزواج، وكان يقول: "لا يفلح من ألف أفخاذ النساء" . وكان في مناجاته يقول: " اللهم إنك تعلم أن الذل أحب إلىَّ من العز، وأن الفقر أحب إلىَّ  من الغنى، وأن الموت أحب إلىَّ من البقاء" .

وعلى العموم كان بشر نموذجا رائعا للمتصوف المتعلم العالم ، المنضبط الورع ، وكان يقول: "لا رآك الله حيث نهاك ولا فقدك حيث أمرك". ومن أجمل ما قاله في الإخلاص والرياء : "لا تعمل لتذكر، اكتم الحسنة، كما تكتم السيئة". و أبعد من ذلك وأبلغ قوله :" قد يكون الرجل مرائيا بعد موته، يحب أن يكثر الخلق فى جنازته" . 

التعليقات