الدور المنتظر للأزهر جامعًا وجامعة

الدور المنتظر للأزهر جامعًا وجامعة

يقود إمعان النظر فى حال المسلمين الآن إلى نتيجة جلية وهى أن الإسلام قد تم اختطافه، وعلى الأزهر، جامعا وجامعة، أن يأخذ على عاتقه المساعدة فى تصحيح هذا الوضع المختل. فما لدينا من الإسلام لم يعد على حاله الذى تركه الرسول عليه الصلاة والسلام، وتحول جوهره القائم على قيمتين مركزيتين هما: التوحيد والرحمة، إلى أشكال أخرى من الأيديولوجيات والأساطير والفولكور والتجارة والعصاب النفسى، واستعملته أو وظفته مؤسسات وأفراد على مدار التاريخ، حتى لم نعد نراه، من الحمولات الثقيلة التى تراكمت عليه، وطمرت الينابيع الكبرى منه، أو أتت على طبيعته وجوهره، مثلما سبق أن جرى لمختلف الأديان، ومن ثم فإنه يحتاج إلى إصلاح.

سيقول السلفيون نحن الأولى بهذا، لأننا نطلب العودة إلى الأصول، لكن رأى هؤلاء يفتقد تماما المنهج العلمى الذى يبحث عن الحقيقة، لا مجرد الدليل الشرعى، المستمد من النص وتأويله والتاريخ ووقائعه. فما تم تدوينه فى القرن اللاحق على وفاة الرسول الكريم لا يمكن أن يكون هو ما جرى بدقة، بل أضيف إليه الكثير مما أنتجته المخيلات ومقتضيات المصالح وتطور المجتمعات وتنوعها وتعدد الأفهام والرغائب. كما أن المنهج الذى يتبعه هؤلاء للوصول إلى المنبع هو صناعة بشرية تتلاحق فيه سلسلة متقطعة عبر تاريخ المسلمين (ابن حنبل -ابن تيميةـ ابن عبد الوهاب) وبينهم الكثير من التلاميذ والأتباع. ولو أن السلفيين يعترفون بأنهم مجرد اجتهاد أو تصور فى الإسلام لهان الأمر، لكن من أسف فهم يتوهمون أنهم «صحيح الدين»، وتفعل مثلهم الكثير من الفرق والجماعات والتنظيمات التى اشتغلت بالدين أكثر مما تنشغل به، وحولته إلى مادة استعمالية لتحقيق أهداف وغايات أبعد ما تكون عن الدور الذى ينتظره الناس من الدين، بل ما يرجونه من الله سبحانه وتعالى، وهو الامتلاء الروحى والسمو الأخلاقى وإعلاء قيم الرحمة والحرية والمساواة والكرامة والسعادة والخيرية.

ويقول كثيرون إن كل شىء فى القرآن الكريم، فهو «النص المؤسس» للإسلام، وما دام بين أيدينا فبوسعنا أن نعود إلى أصل الدين الذى أُنزل على محمد، صلى الله عليه وسلم. وينسى هؤلاء أربعة أمور، الأول أن القرآن تم نسيانه مع الأيام، فأصبح كتابا يُقرأ للتبرك به، أكثر مما يتم تدبر ما فيه وفهمه على نحو عادل دقيق، وإعمال مناهج العلم الحديث فى الاقتراب منه. وحلت محل القرآن، وإن كان أغلبنا لا يدرى، نصوص أخرى بشرية، أصبحت هى التى تفسره، وتوضح معانيه ومراميه، وبالتتابع تراكمت عليه وغطته، فصرنا لا نراه. والثانى هو أن القرآن طالما يُقرأ مجتزأ، بما يُغيِّب حضوره الحقيقى والطبيعى فى حياتنا، ويجعله مناطا للتلاعب من قبل المتطرفين والمغرضين، فيستخدمونه بما يبرر سلوكهم المعوج، ويلبى احتياجاتهم حتى لو عارضت جوهر الدين، ويحقق منافعهم مهما كان بها من شر.

ومع أننا نقول فى حياتنا السياسية والقانونية إن الدستور لا يقرأ إلا كوحدة عضوية، لأن كل مواده يفسر بعضها بعضا، وكذلك النص الأدبى، يُفهم جزؤه فى إطار كله، فإن كثيرا ممن يتعاملون مع القرآن لا يدركون هذا، ويأخذون آيات فرادى، ويطبقونها على وقائع بعينها، زاعمين أن هذا هو مقصد الله الذى أنزل القرآن. والثالث أن القرآن تفاعل بمرور الزمن مع حياة المسلمين، وبعضهم استغله بدءا من واقعة التحكيم بين على ومعاوية وانتهاء بما تسلكه الجماعات المتطرفة فى زماننا. والرابع أن القرآن لا يترك حرا، ليفهمه الناس على أنه نص مفارق لزمانه ومكانه، بل هناك من يتمسك بأسباب نزوله فيقضى بتاريخيته، ومن ثم انقضائه. وهناك من يزعم دوما أنه هو من يفهم مقصده، ومثل هؤلاء طالما أساءوا إليه حين تمسكوا بحرفيته، وغنائيته، فانشغلوا بهامشه عن متنه، وبمظهره عن مخبره.

 لكل هذا فإن ما نحتاجه الآن هو إصلاح دينى،  يجعلنا نمتلك خطابا دينيا جديدا وليس مجرد الاكتفاء بالحديث عن تجديد الخطاب الدينى، الذى لا يتعدى طلاء جديدا لجدار قديم متهالك، يريد أن ينقض. والتذرع بأن الإصلاح الدينى يخص المسيحية الغربية فقط وليس الإسلام أمر يدعو إلى السخرية، فبعض التصورات والمؤسسات الدينية الإسلامية باتت تلعب الدور المعوق نفسه الذى كان يلعبه الدين فى أوروبا، وعلماء الدين فى بلاد المسلمين يقولون ليل نهار إنه لا كهنوت فى الإسلام، لكنهم فى تصرفاتهم وتصوراتهم ودفاعهم عن مصالحهم الذاتية بدعوى أنها الدين يتحولون إلى كهنوت بشكل صارخ. وهناك رؤى فقهية وتفسيرات وأحاديث منسوبة للرسول، عليه الصلاة والسلام، وتواريخ وسير من العهد الأول تحتاج إلى مراجعة شاملة، كذلك نحتاج إلى الإجابة عن السؤال المهم حول ما إذا كان القرآن نصا أم خطابا.

لا مجال لحديث الأزهر، جامعا وجامعة، عن إصلاح دينى دون خمسة شروط أولها أن نقر بأن الإيمان مسألة فردية، لا دخل لأحد فيها سواء كان عالم دين أم غيره، وأن نعتبر العقل مكملا لمسار الوحى وليس خصيما له ولا نكتفى بمجرد التلفيق بين الأول والثانى، كما يفعل الوعاظ حاليا، وأن نلتفت إلى الجوانب الأخلاقية ونراها هى جوهر الدين وليست الطقوس، ونهتم بالإصلاح الاجتماعى وأن يكون الدين رافعة له وليس خصما منه، وأن نميز بشكل واضح لا لبس فيه بين الدين والسلطة السياسية التى يجب أن تكون مدنية، والسيادة فيها للناس، والتشريعات للمؤسسات التى يختارونها.

وهنا يثار التساؤل الذى هو معطوف على الخيارات الثلاثة التى تم طرحها فى مطلع هذه الورقة، وهو: هل بوسع الأزهر أن ينهض بهذه المهمة، وهو مثقل بالانشغال بعلوم مدنية ينشغل بها غيره، بما لا يعطيه فرصة أكبر للانشغال بالأساس بتطوير العلوم الدينية وتحديثها أو عصرنتها؟ وهل بوسع هذه العلوم أن تفتح مدارك الأزهريين كما قصد الذين أخذوا الأزهر فى طريقه الحالية؟ أم هى جعلته يبتعد تدريجيا عن مهمته الرئيسية فتقفز على الساحة جماعات ووعاظ أرادوا أن يكونوا هم، بخطابهم الذى أسهم فى اخنطاف الإسلام، من يلبون طلب الناس على الدين؟

التعليقات