الإحساس بالبنوة

الإحساس بالبنوة

العلاقة بالوالدين تتنوع على أساس مدى الارتباط الذي يربط الإبن بوالديه، ومهما كان الإبن بارا إلا أنني أرى أن علاقة أسمى وأرقى من الممكن أن تكون هي الجامع الذي يربط بينه وبين والديه، وهي إحساس الإبن بالبنوة.

ربما لا يتوفر هذا الإحساس لدى كثير من الأبناء، ولكنه في الواقع هو الباعث الذي من خلاله يندفع الأبناء في علاقاتهم بوالديهم إلى الرغبة في مزيد من البر أو تستطيع القول إلى الرغبة في أن يكونوا أبناء يقدرون لوالديهم ما بذلوه من جهد وتعب من أجل تربيتهم على النحو الذي صاروا على غراه آباء وأمهات.

أحساس البنوة هذا هو الذي يجعل الأبناء في حاجة ملحة لوالديهم.. حاجة تختلف عن الحاجات التي طالما كان الإبن يقف عاجزا عن تأديتها ولا يستطيع إلى ذلك سبيلا إلا من أحد والديه.

هذا الإحساس وإن كان الإبن قد تخلص من الحاجات المادية التي يلبيها الوالدين له إلا أنه يظل مربطا بالإبن البار، إحساس يخلق فيه رغبة ملحة في الارتماء في أحضان والديه تماما كا لو كان صغيرا يخاف من شيء ويشعر أن الوالدين بالنسبة له هما مصدر الأمن الوحيد الذي إن بقي في كنفه حماه من كل نوب الدهر... إحساس يجعلة يجد متعة متناهية وهو يقبل على يديهما وجبهتيهما ورأسيهما وهو يقول بلسان حاله رب ارحمهما كما ربياني صغيرا... إحساس يجعله يريد أن يقطع الماسافات لمجرد إطلالة في وجهيهما... احساس يجعل شعورا يتملكه بأنه لا يستطيع العيش بعيدا عنهما... احساس يجعله مهما كبر سنه وعلا منصبه وعظم سلطانه يقف أمامهما وقفة المؤدب الخاشع الملتزم المؤتمر بكل بما يأمران به.

ثم الأهم من كل ذلك أن بره بوالديه ليس على كونه واجبا يؤديه فيسقطه عن نفسه فحسب، ولكن على كونه عمل محبب إلى نفسه مقرب إلى قلبه يفعله وهو يستشعر بسعادة تغمره ورغبة في آداء المزيد، لأن بر الوالدين إن أداه الأبناء لمجرد كونه واجبا فمن المؤكد أنه لن يكون مكتملا وسوف يتخلله النقص من جانب ما، لأن البر قبل أن يكون أفعلا فهو أحاسيس من المفترض أن تنتقل مع هذه الأعمال فيشعر بها الوالدين قبل أن يلمسا الأفعال المادية ، خاصة إن كانا في غنى عن كل ماديات الدنيا ولا يحتاجون سوى إثبات أن الثمرة التي غرساها وتعهداها بالتربية والتهذيب الآن قد نضجت وتؤتي أكلها حبا وبرا وطاعة.

فماذا يستفيد الوالدين من إبن أغدق عليهما عطاياه وغمرهما بماله وهو في ذات الوقت جاف المشاعر غليظ الكلام، لا أظن أن أحد الوالدين يريد من ابنه هذه العطايا والأموال بقدر ما يحتاجان إلى ابن يشعرهما أنه يستمد أنفسه في الحياة من رضاهما عنه، ويشعرهما أن شخصيته هي تلك العجينه الطرية اللينة الهينة التي شكلاها بأيديهما، والتي هي رغم قساوتها وصلابتها في مواجهة ظروف وتقلبات الحياة إلا أنها على استعداد تام لأن تعود من جديد طرية هينة لينة أمام الوالدين إن هما أرادا ذلك أو إن وجها نصيحة أو أمرا بفعل أو نهيا عن عمل.

على أي حال فإن منظومة العلاقة بين الآباء والأبناء تحتاج إلى إعادة صياغة وفق معايير نفسية واجتماعية تتناسب مع آليات العصر الذي نعيش فيه، حتى نتمكن من ضبط منظومة القيم التي يبدو أنها تأثرت إلى حد بعيد بمجموعة المتغيرات التي كان يفترض أن يصحبها حالة من الضبط لضمان عدم خروجها عن المعيار العام للتربية.

التعليقات