والدي رحمه الله ونموذج الأبوة الاجتماعية

والدي رحمه الله ونموذج الأبوة الاجتماعية

خمس سنوات كاملة مرت على رحيل أبي رحمة الله عليه، افتقدته خلالها وافتقدت معه العديد من المعاني، التي كنت أعلمها، لكن بعد وفاته ازدادت ثقتي بها، ازدادت ثقتي بنظرته العميقة للأمور، مهما شاعت النظرات السطحية من حوله، ازدادت ثقتي بصراحته التي ربما كانت صدامية في بعض الأحيان، لكنني أدكت مؤخرا أنها رغم ما قد يتصور أنه شدة أو حده، إلا أنه في واقع الأمر حزم يختصر الطريق ويوفر الدوران في متاهات لا نهاية لها، ثم لا نجد مناصا من الرجوع إلى نفس النقطة، ثم العودة إلى المواجهة التي فررنا منها.

كل المحيطين بوالدي عليه رحمة الله أكدوا أنه كان بوسعه لو أراد أن يكون رجلا ثريا، وكنت أقول لنفسي ليته فعل، لكني ومع كل سطر قرأته من مذكراته أو قصاصة وجدتها في مكتبته زاد يقيني أنه لم يخلق ليكون رجلا ثريا، وعندما علمت أنه كان يراسل التابعي ومصطفى وعلى أمين ومن قبلهم أحمد أبو الفتح (بلدياته) وأنهم جميعا دعوه للكتابة في صحفهم، لكنه لم يفعل، وعندما علمت أنه سنحت له الفرصة ليكون معيدا في جامعة الأزهر الشريف، ولكنه لم يفعل، عندما علمت كل هذا حدثتني نفسي بأنه فرط في فرص كثيرة ما كان له أن يفرط فيها، لكنني أيضا ومع قراءة بعض ما تركه من خواطر، أدركت أيضا أنه لم يخلق ليكون واحدا من هؤلاء، ولكنه خلق ليكون هذا الذي عرفناه بكل تفاصيله، بكل شدته وحزمه، الذي يخبئ ورائه قلبا عطوفا حنونا على أهل بيته ومن يخصه أمرهم فقط، ولكنه كان حنونا عطوفا على كل من حوله.

لم أكن أعلم أنه يكتب شعرا، حتى حضرت حفلة أقامها عمله لبلوغ أحد زملائه سن المعاش، وجدته يومها يلقي قصيدة ساخرة يعدد فيها مواقف هذا الرجل مع زملائه، ثم فوجئت بعيناه تزرفان الدمع إشفاقا على زميله، ثم توالت المناسبات التي سمعته فيها يقول الشعر، لكن أوقع شعر سمعته منه ما كتبه لي في أول خطاب تسلمته منه في الفترة التي قضيتها خارج مصر، فقد كتب لي:

أي بني حماك ربي في العلا.. وحماك دوما في الزمان المقبل 

فاسمع بني وصية أوصيكها.. إن كنت تؤمن بالكتاب المنزل

واعلم بأن الخير فينا دائما.. والدار حتى دار خير الكمل

أكرم خليل أبيك حيث لقيته..ولقد عققت أباك إن لم تفعل

وإذا وصلت إلى هنالك فانتظر.. حتما تفوز صحافة المستقبل

كان عليه رحمة الله ناقدا ساخرا  من كل الأوضاع الشاذة من حوله، وكان يدون هذا النقد، إما في مذكراته أو على هيئة أشعار أو زجل خفيف الظل، من ذلك ما كتبه عقب موجة غلاء شعهدتها البلاد:

وطن أي حاجة.. وطن في الحضيض

وطن كسروا أنفه.. وعيشه مضيض

يا وطني المخنث يا وطني المؤنث

فراخك بتدن ديوكك تبيض

يا خوفي يا وطني رجالك تحيض

وفي أعقاب نكسة 67، حيث كان الإحباط هو سيد الموقف، كتب متأثرا بالحالة العامة:

إملالي كاس يا وطن بالمر تاني املا.. سقط العرب في الحساب والنحو والإملا

ونجحوا في الصرف لما ضيعوا العملة.. ديما يقولوا إننا كنا وكان ياما كان

السيف وقع من إيديهم والفرس حرنان.. أجادوا لعب الورق وامتازوا في الكون كان

وجم في يوم الامتحان ماكونوش جملة

كان عليه رحمة الله مستشاري الذي أثق برأيه وأستفيد من نقده، أتذكر أنه عندما قرأ لي مجموعة مقالات عن الاقتصاد الإسلامي، قال لي: هذه فكرة كتاب لا تفوتها، كما صوب الكثير من الأخطاء العروضية في ديواني الشعري، كما كان حكاء من طراز فريد لا يمل المستمع من حديثه.

بعد مرور خمس سنوات على رحيل والدي عليه رحمة الله أفتقده، ليس كوالد فقط، ولكن كنموذج، نموذج اجتماعي، ونموذج للأب القدوة، بل كنموذج للمواطن الأب الذي يحركه إحساسه بالأبوة تجاه كل المحيطين به.

التعليقات