ذو النون المصري.. عرفت ربي بربي

ذو النون المصري.. عرفت ربي بربي

 

 
هو أبو الفيض ذو النون المصري واسمه: ثوبان بن إبراهيم، وقيل الفيض بن إبراهيم، وأبوه كان نوبيا.

 

عن تصوفه،يقول القشيري في رسالته الشهيرة : "فائق في هذا الشأن، وأوحد وقته علما، وورعا، وحالا، وأدبا".

 

ويقول عنه المناوي في ( الكواكب الدرية) : " العارف الناطق بالحقائق ، الفاتق للطرائق ، ذو العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة، والصفات الكاملة، والنفس العالمة العاملة، والهمم الجلية، والطريقة المرضية، والمحاسن الجزيلة المتبعة، والأفعال والأقوال التي لا تخشى منها تبعة، زهت به مصر وديارها، وأشرق بنوره ليلها ونهارها".
وعن سيره في الطريق إلى الله ، هناك روايات عدة في ذلك ، لعل أشهرها ما جاء في (سير أعلام النبلاء) للذهبي وقال يوسف بن الحسين الرازي: حضرت مجلس ذي النون فقيل: يا أبا الفيض ما كان سبب توبتك قال: أردت الخروج إلى قرى مصر فنمت في الصحراء ففتحت عيني فإذا أنا بقبرة عمياء معلقة بمكان، فسقطت من وكرها، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان ذهب وفضة، في أحديهما: سمسم، وفي الأخرى ماء، فأكلت وشربت. فقلت: حسبي، قد تبت.
ولزمت الباب إلى أن قبلني.
وهناك من يرجح - بل ويؤكد - أن توبة الرجل جاءت خلال أدائه فريضة الحج وممن أكد ذلك الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه ( ذو النون المصري ) . وهناك من يؤكد أيضا أن تلك التوبة كانت على يد العابد شقران المغربى ..
احتمالات كلها واردة ، وربما تعاونت كلها لتقدم لنا ذا النون المتصوف العابد .
ويرى الدكتور عبد الحليم محمود - بعد ترجيحه لتوبة ذي النون بعد الحج- أن العامل الحسم في حياة ذي النون المصري هو لقاؤه بشقران ، الذي قال عنه الشعراني :"
" شقران المغربي العابد شيخ ذي النون المصري ، عارف ظهر ضياؤه ، وطاب ذكره وثناؤه ، كان ذا أحوال باهرة ومقامات فاخرة" .
اختلفت الآراء في ذي النون اختلافا كبيرا ، فبينما يراه البعض عالما ربانيا ووليا من الصالحين ، كان هناك في ذات الوقت من يراه زنديقا مبتدعا خارج عن حدود الشرع وآدابه .
قال الدارقطنى عنه: "روى عن مالك أحاديث فيها نظر، وكان واعظاً". وقال عنه الذهبي في ترجمته في السير "ذو النون المصري الزاهد شيخ الديار المصرية... هو من روى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل بن عياض وسلم الخواص وسفيان بن عيينة وطائفة".
ويصفه ابن يونس بأنه كان عالماً فصيحاً حكيماً. وقال مسلمة بن قاسم كان رجلا صالحا زاهدا عالما ورعا متقنا في العلوم واحدا في عصره .. أما يوسف بن أحمد البغدادي فيقول: كان أهل ناحيته يسمونه الزنديق.
وقال محمد بن الفرخي : "كنت مع ذي النون في زورق، فمر بنا زورق آخر، فقيل لذي النون: إن هؤلاء يمرون إلى السلطان، يشهدون عليك بالكفر. فقال: اللهم إن كانوا كاذبين، فغرقهم ، فانقلب الزورق، وغرقوا . فقلت له: فما بال الملاح؟ قال: لم حملهم وهو يعلم قصدهم؟ ولأن يقفوا بين يدى الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور، ثم انتفض وتغير، وقال: وعزتك لا أدعو على أحد بعدها".

 

ويقال إن أمير مصر دعاه وسأله عن اعتقاده ، فتكلم ، فرضي أمره... ثم حاول خصومه الوشاية به عند الخليفة المتوكل، فلما استدعاه و سمع كلامه ووعظه ،بكى ورده إلى مصر مكرما .. وبعد هذا اللقاء أصبح ذو النون محبوبا وقريبا من قلب المتوكل ، وكان يقول: إذا ذكر الصالحون ، فحىَّ هلا بذى النون.
يقول صاحب (الكواكب الدرية) عن ذي النون : " ولما تكلم بعلوم لدنية لا علم لأهل مصر بها وشوا به إلى خليفة بغداد فحمل إليه في جماعه مغلولا مقيدا فقدم للقتل ،فكلم الخليفة فأعجبه فأطلقه ورفقته وقال:
"إن كان هؤلاء زنادقه فما على وجه الأرض مسلم".

 

ولكن أهل مصر قوم طيبون فبمجرد أن رأوا ذا النون وفى يده الأغلال أخذوا يبكون وإذا بذا النون يعلن:"هذا من
مواهب الله ومن عطاياه وكل فعاله عذب حسن طيب...ثم أخذ ينشد مخاطبا الله عز وجل بشعره:
لك من قلبي المكان المصون           كل همّ علىّ فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلا               فيك والصبر عنك ما لايكون

 

عاش ذو النون عابدا عاملا ، وكان مفتاح العبادة لديه هو الفكرة، وعلامة الوصول مخالفة النفس والهوى، ومخالفتهما في ترك الأماني، وكان دائما ما ينصح أتباعه ومريديه قائلا :"لا تصحب مع الله تعالى إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة".
وكان يقول: "مدار الكلام على أربع: حب الجليل، وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل" .
وسئل ذو النون عن التوبة فقال: "توبة العوام تكون من الذنوب، وتوبة الخواص تكون من الغفلة".
و ذات مرة سئل عن السفلة فقال: "من لا يعرف الطريق إلى الله، ولا يتعرفه".
ومن أجوبته التي تحتفظ بها وترددها الذاكرة الجمعية الصوفية ، كلماته تلك التي أجاب حين سئل ذات يوم : بم عرفت ربك؟ فقال: "عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي".. أي أن المعرفة لديه كانت يقينية مصدرها العناية الإلهية ، و هذا اليقين يناله الإنسان بثلاثة أمور ترتبط جميعها بالذات الإلهية، أولها: النظر في الأمور كيف دبرها سبحانه وتعالى، وفى المقادير كيف قدرها، وفى الخلائق كيف خلقها.

 

 

التعليقات