الاستفادة من الإمكانيات

الاستفادة من الإمكانيات

الرشد في معناه العام هو القدرة على المحافظة والاستفادة المثمرة من الإمكانيات والثروات الموضوعة في يد الإنسان وفي نطاق اختياره، وبالتالي فإن الإنسان عندما يتميز في نظام معين فإنه يمتلك نوعا معينا من الرشد، وهو الأمر الذي يمكننا تطبيقه على المفاهيم الاقتصادية وذلك من خلال وضع المسؤوليات والوظائف الداخلية المرتبطة بشؤون فكر اقتصادي داخل مؤسسة ما سواء أكانت مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية أو أسرية، وهذا يعني أن كل المؤسسات على اختلاف مستوياتها تحتاج إلى إدارة رشيدة من خلال تحديد المسؤوليات والوظائف الداخلية المرتبطة بشؤون المؤسسة، بحيث تتوفر هذه في هذه القيادة عناصر الرشد والكفاءة والقدرة على المحافظة على الإنجازات والاستفادة المثمرة .

وإذا كان المال في الفقه الإسلامي يقسم من حيث بقاء عينه أو عدم بقائها إلى مال استهلاكي وهو الذي لا يمكن الانتفاع به عادة إلا باستهلاك عينه ، كالمأكولات والمشروبات  ومال استعمالي وهو ما يمكن الانتفاع به عادة مع بقاء عينه ، كالعقارات والثياب والماشية ، فإن الأساس في كليهما قول الله تعالى "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" وهو ما يعني أن النظام المالي في الإسلام ضمن من الضوابط الذاتية الفريدة التي جعلت منه أكثر النظم تفوقا واعتدالا ونجاحا على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع.

وبالتالي فإن كل نوع من هذين النوعين يحتاج لمواصفات خاصة تتعلق بالرشد، ولكن قبل أن نتوغل في الحديت عن علاقة الرشد الإنفاقي بكلا النوعين، يفترض أن نكون على يقين من أن الرشد شأنه شأن كل الإمكانيات البشرية لا يمكن أن يكون على وتيرة واحدة عند كل الناس، ولكن شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن تكون نسبته متفاوتة وفق سنة الاختلاف.

لذلك فمن الضروري عندما نتحدث عن مبدأ الرشد أن نضع في اعتبارنا تلك العلاقة المهمة بين نوعية المعاملات المالية وطبيعة الأشخاص، بمعنى أنه من المفترض عند تكليف الأشخاص بمهام مالية تقدير ما إذا كان هؤلاء الأشخاص قادرون على إدارة هذه المهام، بحيث تتناسب طبيعة المهمة مع طبيعة الشخص، وهو الأمر الذي أسس له القرآن الكريم الذي في قوله تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا "

ومن هنا يجب توضيح الفارق بين الرشد والسفه، حيث يمكن القول بأن السفه خفة وطيش في العقل يؤدي إلى سوء التصرف في المال بالإسراف والتبذير وسوء الإدارة والتدبير، أما الرشد فهو صلاح في العقل يؤدي إلى صلاح المال، وفي مقابلة ذلك يكون السفه فساد في العقل يؤدي إلى فساد المال ، نتيجة الإسراف أو قلة الخبرة، على خلاف الرشد الذي يعرف بأنه صلاح المال والدين معا، فضلا عن اهتمام الإنسان  بحسن إدارة ماله وبالتصرفات الرابحة والسعي في مصالحه المادية والشـخصية ، وفي تنمية أمواله وتثميرها.

إذن فإن السبيل إلى استقرار الأوضاع الأسرية يقتضي إدارة الأمور المادية برشد يساعدها على توفيق أوضاعها بصورة تجنبها الوقوع في مآزق عامة، وهو ما يعني المجتمع مطالب بمقاومة كل ما من شأنه أن يكون أحد معوقات الرشد، بل وعلى المجتمع أيضا أن يعمق من مفاهيم الرشد بين جميع أفراده من خلال تقويم أي خلل يؤدي بصاحبه إلى السفة، لأن الرشد وإن سجية في أصحابه، غير أنه بالتدريب والتطوير، يمكن أن اكتساب مهارات من شأنها ان تضع أقدام السفهاء على أول طريق الرشد لينالوا حتى ولو بعض درجاته.

التعليقات