دور الأزهر بعد ثورة يناير 2011

دور الأزهر بعد ثورة يناير 2011

 

التفتت الأعناق، وانتبهت الأذهان، وتعلقت الأفئدة، بالأزهر مع تصاعد دور الجماعات التى توظف الإسلام فى تحصيل السلطة السياسية والثروة الاقتصادية إثر انطلاق ثورة يناير وما تبعها، بعد أن كانت سلوكها قبل الثورة يتوزع بين الاختباء والتحايل والظهور الخجول والتقدم التدريجى فى أعماق المجتمع وممارسة العنف ضد السلطة.

فالقوى السياسية المدنية لجأت إلى الأزهر ليتصدى بفكره لجماعة الإخوان والسلفيين وحلفائهما من الجماعات والتنظيمات الدينية الأخرى، لاسيما الجماعات والتنظيمات الدينية السياسية (الإخوان ـ الجماعة الإسلامية ـ تنظيم الجهاد ـ التيار السلفى) ركزت فى دعايتها السياسية على نزع التدين عن المدنيين وإظهارهم بمظهر الكاره للإسلام، وليس المنافس السياسى الطبيعى لهذا التيار.[i]

وزاد لجوء هذه القوى المدنية، ومعها مؤسسات الدولة التقليدية، إلى الأزهر مع وصول الإخوان إلى الحكم، وكانت ثمرة هذا توقيع القوى السياسية والفكرية المصرية فى اجتماع برعاية الأزهر على وثيقة فى 31 من يناير سـنة 2013 م،[ii] لأن الجميع، حسبما ذكرت الوثيقة يعترفون «بدور الأزهر القيادى فى بلورة الفكر الإسلامى الوسطى السديد» ولذا فهم «يؤكدون أهميته واعتباره المنارة الهادية التى يُستضاء بها، ويحتكم إليها فى تحديد علاقة الدولة بالدين وبيان أسس السياسة الشرعية الصحيحة التى ينبغى انتهاجها؛ ارتكازًا على خبرته المتراكمة، وتاريخه العلمى والثقافى الذى ارتكز على الأبعاد التالية:

1 ـ البعد الفقهى فى إحياء علوم الدين وتجديدها، طبقًا لمذهب أهل السنة والجماعة الذى يجمع بين العقل والنقل ويكشف عن قواعد التأويل المرعية للنصوص الشرعية .

2 ـ البعد التاريخى لدور الأزهر المجيد فى قيادة الحركة الوطنية نحو الحرية والاستقلال .

3 ـ البعد الحضارى لإحياء مختلف العلوم الطبيعية والآداب والفنون بتنوعاتها الخصبة .

4 ـ البعد العملى فى قيادة حركة المجتمع وتشكيل قادة الرأى فى الحياة المصرية .

5 ـ البعدُ الجامع للعلم والريادة والنهضة والثقافة فى الوطن العربى والعالم الإسلامى.

وقد توافق المجتمعون على عدة مبادئ هى نصا:

«أولاً: دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التى تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة. ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامى الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا فى تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف فى الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التى تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية فى بعض مراحل التاريخ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هى المصدر الأساس للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية فى قضايا الأحوال الشخصية .

ثانيا: اعتماد النظام الديمقراطى، القائم على الانتخاب الحر المباشر، الذى هو الصيغةَ العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمى للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسئولين أمام ممثلى الشعب، وتوخى منافع الناس ومصالحهم العامة فى جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شئون الدولة بالقانون – والقانون وحده- وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها .

ثالثاً : الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية فى الفكر والرأى، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية فى المجتمع.

رابعاً : الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، مع اعتبار الحث على الفتنة الطائفية والدعوات العنصرية جريمة فى حق الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتعويل عليهما فى التعامل بين فئات الشعب المختلفة، دون أية تفرقة فى الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين .

خامساً : تأكيد الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية، والتمسك بالمنجزات الحضارية فى العلاقات الإنسانية، المتوافقة مع التقاليد السمحة للثقافة الإسلامية والعربية، والمتسقة مع الخبرة الحضارية الطويلة للشعب المصرى فى عصوره المختلفة، وما قدمه من نماذج فائقة فى التعايش السلمى ونشدان الخير للإنسانية كلها .

سادساً : الحرص التام على صيانة كرامة الأمة المصرية والحفاظ على عزتها الوطنية، وتأكيد الحماية التامة والاحترام الكامل لدور العبادة لأتباع الديانات السماوية الثلاث، وضمان الممارسة الحرة لجميع الشعائر الدينية دون أية مُعوِّقات، واحترام جميع مظاهر العبادة بمختلف أشكالها، دون تسفيهٍ لثقافة الشعب أو تشويهٍ لتقاليده الأصيلة، وكذلك الحرص التام على صيانة حرية التعبير والإبداع الفنى والأدبى فى إطار منظومة قيمنا الحضارية الثابتة .

سابعًا: اعتبار التعليم والبحث العلمى ودخول عصر المعرفة قاطرة التقدم الحضارى فى مصر، وتكريس كل الجهود لتدارك ما فاتنا فى هذه المجالات، وحشد طاقة المجتمع كلّه لمحو الأمية، واستثمار الثروة البشرية وتحقيق المشروعات المستقبلية الكبرى.

ثامنا: إعمال فقه الأولويات فى تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة الاستبداد ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة، وبما يفجر طاقات المجتمع وابداعاته فى الجوانب الاقتصادية والبرامج الاجتماعية والثقافية والإعلامية على أن يأتى ذلك على رأس الأوليات التى يتبناها شعبنا فى نهضته الراهنة، مع اعتبار الرعاية الصحية الحقيقية والجادة واجب الدولة تجاه كل المواطنين جميعاً .

تاسعًا: بناء علاقات مصر بأشقائها العرب ومحيطها الإسلامى ودائرتها الإفريقية والعالمية، ومناصرة الحق الفلسطينى، والحفاظ على استقلال الإرادة المصرية، واسترجاع الدور القيادى التاريخى على أساس التعاون على الخير المشترك وتحقيق مصلحة الشعوب فى اطار من الندية والاستقلال التام، ومتابعة المشاركة فى الجهد الانسانى النبيل لتقدم البشرية، والحفاظ على البيئة وتحقيق السلام العادل بين الأمم.

عاشرًا: تأييدُ مشروع استقلال مؤسسة الأزهر، وعودة «هيئة كبار العلماء» واختصاصها بترشيح واختيار شيخ الأزهر، والعمل على تجديد مناهج التعليم الأزهرى؛ ليسترد دوره الفكرى الأصيل، وتأثيره العالمى فى مختلف الأنحاء.

حادى عشر: اعتبار الأزهر الشريف هو الجهة المختصة التى يُرجع إليها فى شؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهية والفكرية الحديثة، مع عدم مصادرة حق الجميع فى إبداء الرأى متى تحققت فيه الشروط العلمية اللازمة، وبشرط الالتزام بآداب الحوار، واحترام ما توافق عليه علماء الأم».

وقد ساهم هذا التوافق حول أهمية أن يكون للأزهر دور كبير فى تجاوز مرحلة الصراع المدنى ـ الدينى العصيب فى مصر عقب ثورة ينايرفى إعطاء الأزهر دور المرجعية الدينية فى الدستور المصرى الصادر سنة 2014، برضاء وتوافق القوى المدنية نفسها، فى لحظة تصارعها مع تيار «الإسلام السياسى» الذى أراد احتكار الإسلام، بالإنفراد بتمثيله، إما بتهميش دور الأزهر، أو السيطرة التامة عليه.

ولما تولى الإخوان الحكم حاولوا السيطرة على الأزهر من خلال تعيين موالين لهم فى المناصب المركزية والأساسية فى الأزهر، جامعا وجامعة، وبدأت رحلة الصراع مع شيخ الأزهر نفسه رغبة فى إزاحته، لكن مثقفين وحركات مدنية شكلت جبهات للدفاع عن الأزهر فى وجه الإخوان،[iii] حتى تم إسقاطهم عن الحكم قبل أن يتحقق لهم ما أرادوا.

 

*********

 

[i]حول موقع الأزهر بالخريطة الدينية في مصر، أنظر: "تقرير الحالة الدينية لعام 1995"، نبيل عبد الفتاح (رئيس التحرير)، (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام) 1996.

[ii] نشرت الوثيقة نصا في الصحف المصرية في اليوم التالي، أنظر: صحيفة الأهرام، أول فبراير 2013.

[iii] تم إطلاق "جبهة دعم الأزهر" من قبل مثقفين وسياسيين مصريين، وعقدت عدة لقاءات ومؤتمرات صحفية للتصدي لمحاولة الإخوان السيطرة على الأزهر، وكان الباحث من قيادات هذه الجبهة.

 

التعليقات