غادة عبدالرازق ونظرية الخواء الفكري

غادة عبدالرازق ونظرية الخواء الفكري
ألهذا الحد أصبحنا نعاني حالة من الخواء الفكري، جعلتنا نتأرجح من أقصى الشدة في الحكم على امرأة أخطأت إلى أقصى التعاطف معها والتماس الأعذار لها؟.
ألهذا الحد نملك من الرفاهية ما يجعلنا ندع كل منغصات الحياة التي يفترض أننا نئن منها، ويبقى حديث الصباح والمساء (فضيحة غادة عبد الرازق)؟.
نعم هي فنانة مشهورة، نعم لها الكثير من المعجبين والمتابعين، نعم لها جمهورها العريض، ولكن أين شكونا من الغلاء الفاحش؟، وأين أنيننا من الأوضاع المتأزمة؟.
في لحظة اختفى كل هذا وأصبحنا لا صوت لدينا يعلو فوق غادة عبد الرازق.
إذا كان العالم قد تعارف على أن اهتمامات الشعوب هي التي تحكم على مدى وعيهم وعلى مدى مستوياتهم المعيشية، فإن واقعنا للأسف الشديد يقول وبكل صراحة: نحن شعب بلا اهتمامات وبلا وعي، بل ربما نكون بلا ثقافة.
نعم من حق كل منا أن تكون له رؤيته الخاصة في القضايا المثارة من حوله، وهو حق أصيل، لا يمكن لأحد الحجر عليه، ومن حق كل منا بالفعل أن يميل إلى توجه معين أو تفسير خاص أو تحليل ما، شريطة أن تكون هذه الرؤية موضوعية ومتفقة مع الثوابت العامة التي لا تخضع للاجتهادات الشخصية، وهو الأمر الذي يتطلب تثبتا واعيا قبل الإفصاح عن هذه الآراء.
لكن ليس من حق أحدنا أن (يظيط) مع الرائجة، بمعنى ثور على الأوضاع عندما يثور الناس من حوله، ويتحول إلى ناقد غني عندما يهتم الناس بالفن، ويكون محلل رياضي عندما يتحدث الناس عن الرياضة، أين إذن شخصيته وهويته وثقافته,
المشكلة أن الثقافة المجتمعة العامة لم تعد تفرق بين الآراء وبين الانطباعات الخاصة، وهو ما يقودنا غالبا إلى الوقوع في مطب الاختلافات غير المنضبطة إن جاز التعبير، لأنني أتصور أن أي خلاف لابد له من مضبطة خاصة تضمن له عدم الانجرار إلى مناطق غير آمنة، يقل أمنها أكثر وأكثر عندما تتحول إلى عقائد مستقرة في الوجدان.
المشكلة أننا لسنا كباقي الناس نختلف مع بعضنا، ولكننا نختلف مع أنفسنا، فكل واحد منا  تحمل نفسه التي بين جنبيه أكثر من فكر وأكثر من توجه يسير (على حسب الريح).
وهنا مكمن الخطورة، حيث تصل الخلافات مع النفس، غير المبنية على القناعات الخاصة في بعض الأحيان إلى حد الوثوق في رأي الغير، فقط لمجرد المشاركة في الكلام، مجاراة للحالة العامة، دون أن منح النفس ولو فرصة لمراجعة ما أوشكت على الاستقرار عليه.
والسبب في ذلك، أن الرأي غير المنضبط لا يثبت عند صاحبة، وبالتالي فإنه لا يستقر عليه ولا يدافع عنه، وبالتالي، فإنه سرعان ما سيغير موقفه ويتبنى موقفا آخرا، وسوف يتبنى قضية، ثم سرعان ما يتحول عنها إلى قضية أخرى وهو في الحقيقة، لا هذه القضية تهمه، ولا تلك القضية تشغل باله.
 وبالتالي فإنه عندما يتحدث في قضية، فإن دفاعه عنها بضراوة ليس دفاعا عن هذا الرأي في حد ذاته أو عن عقيدة ثابتة وإنما هو دفاع عن كبرياء خاص يقود صاحبه لأن تأخذه العزة بالإثم ويقوده إلى المغالطات والسفسطة وتغيير الحقائق، فقط لإثبات قوة موقفه، وربما لاستعراض عضلاته الكلامية.
هؤلاء غالبا يمكن دحض أباطيلهم، لكن الخطورة أن بعض هؤلاء  قد يمتلكون حججا لفظية أو قد يكون لديهم قدرة على الجدل أو قدرة على استمالة الغير أو قدرة على قلب الحقائق، مما يروج آرائهم التي هم أول المقتنعين بعدم موافقتها للحقيقة، لكن لكما قلت أنها تنطلق من باب الانتصار للكبرياء الشخصي.
ما أقوله هذا لا يعنى أبدا أننا ندعي أن الثقافات الإنسانية يحب أن تسير على وتيرة واحدة، لأنها في الغالب تخضع لكثير من العوامل الإقليمية والجغرافية والدينية والطبقية، التي بفعلها تتنوع وتتباين وتختلف، بل ربما تتضاد وتتضارب، حيث تحمل هذه التباينات في صورة عادات ومعتقدات اجتماعية، لكن كل ما أريد التأكيد عليه هما أننا عندما نهتم بقضية ما، أن تكون تلك القضية جزء أصيل من دائرة اهتماماتنا.
التعليقات