الزاهد الرباني عبد الله بن المبارك

الزاهد الرباني عبد الله بن المبارك

 

"من تفقه و لم يتصوف فقد تفسق و من تصوف و لم يتفقه فقد تزندق.. و من جمع بينهما فقد تحقق" ، عبارة منسوبة للإمام مالك - وإن كان المرجح استبعاد صدورها عنه - يرى فيها السادة الصوفية ملخصا لمنهجهم الجامع بين علم الحقيقة وعلم الشريعة .

 

ومن النماذج الباهرة التي جمعت بين العلم والعمل ، بين الحقيقة وبين الشريعة ، نموذج الزاهد المعروف عبد الله بن المبارك الذي لم يأخذه تزهده إلى مخالفة الشرع ، ولم يأخذه تشرعه إلى التزمت الجفاء ومخاصمة العواطف والروحانيات .. ومن ثم كان موضع قبول وتوافق من الجميع ، وضعه السلفيون والمحافظون في النخبة من (أهل السنة والجماعة) لفقهه وروايته الحديث النبوي، ورأى فيه المتصوفة واحدا من أعلامهم الكبار المقتدى بزهدهم وورعهم وكراماتهم.

 

قال عنه الذهبي في السير : " الإمام شيخ الإسلام ، عالم زمانه ، وأمير الأتقياء في وقته"..ثم ينقل الذهبي قول العباس بن مصعب : جمع عبد الله الحديث ، والفقه ، والعربية ، وأيام الناس ، والشجاعة ، والسخاء ، والتجارة ، والمحبة عند الفرق .. وفي السير أيضا : "حدثنا علي بن صدقة ، سمعت شعيب بن حرب قال : ما لقي ابن المبارك رجلا إلا وابن المبارك أفضل منه ".
و قال عنه ابن حبان: "كان فيه خصال لم تجتمع فى أحد من أهل العلم فى زمان فى الأرض كلها".
وفي (صفة الصفوة) لابن الجوزي: جاء رجل فسأل سفيان الثوري عن مسألة، فقال له من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: وهو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم وأهل المغرب.

 

وقال عنه إسماعيل بن عباس: "ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها فيه" .
وفي عبد الله بن المبارك ، يقول الشاعر عمار بن الحسن :

إذا سار عبد الله من مرو ليلة

فقد سار منها نورها وجمالها

إذا ذكر الأخيار فى كل بلدة

فهم أنجُم فيها وأنت هلالهـا

 

والقارئ لسيرة ابن المبارك ، يدرك بسهولة أن الزهد والورع هما القيمتان الأجل والأعظم في مشوار حياته وطريقه إلى الله .. سئل ذات مرة : من الملوك ؟ فقال : الزهاد.. وكان يرى أن "سلطان الزهد أعظم من سلطان الرعية، لأن سلطان الرعية لا يجمع الناس إلا بالعصا، والزاهد ينفر من الناس فيتبعوه".
وعنده أنه لابد من تصفية الزهد وتنقيته من الرياء والادعاء
لذا فقد كان دائم النصح لأتباعه : "دعواك الزهد لنفسك يخرجك من الزهد".
وتتجلى نظرة ابن المبارك للزهد من خلال نظرته لحال المؤمن في الدنيا وفي الآخرة  : "الدنيا سجن المؤمن، وأعظم أعماله فى السجن الصبر وكظم الغيظ، وليس للمؤمن فى الدنيا دولة، وإنما دولته فى الآخرة".
وكان يقول: "أهل الدنيا خرجوا منها قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها} فسأله الناس: وما أطيب ما فيها؟، فأجاب: "المعرفة بالله عز وجل".

كذلك يتجلى زهده فى الصمت والعزلة، فقد سئل يوماً عن قول لقمان لابنه: "إن كان الكلام من فضة فإن الصمت ذهب}، فقال: "معناه لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب"

أما ورعه فمشهور ومعروف، ومن روائع ما يؤثر عنه في ذلك تلك الرواية التي يرويها أبو نعيم في (حلية الأولياء) : حدثنا عباس بن عبد الله قال : قال عبد الله بن المبارك :"لو أن رجلاً اتقى مائة شيء، ولم يتورع عن شيء واحد، لم يكن ورعاً، ومن كان فيه خلة من الجهل، كان من الجاهلين"، أما سمعت الله تعالى قال لنوح عليه السلام لما قال "فقال رب إن ابني من أهلي"..  فقال الله : "إني أعظك أن تكون من الجاهلين ".

 

وقال علي بن الحسن بن شقيق ، سمعت ابن المبارك يقول: "لأن أرد درهماً من شبهة أحبُّ إلى من أن أتصدق بستمائة ألف".
يروي ابن الجوزي في (صفة الصفوة) : قال الحسن: ورأيت في منزل ابن المبارك حماماً طيارة. فقال ابن المبارك: قد كنا ننتفع بفراخ هذه الحمام فليس ننتفع بها اليوم قلت: ولم ذلك؟ قال: اختلطت بها حمام غيرها فتزاوجت بها فنحن نكره أن ننتفع بشيء من فراخها من أجل ذلك.

 

ومن المواقف المذكورة لابن المبارك في حضه على العلم والفهم أكثر من التلقين والحفظ ، ما يرويه صاحب الحليه:
أنه قام رجل إلى ابن المبارك فقال : يا أبا عبد الرحمن في أي شيء أجعل فضل يومي ، في تعلم القرآن ، أو في طلب العلم ؟ فقال : " هل تقرأ من القرآن ما تقيم به صلاتك ؟ قال : نعم ، قال : فاجعله في طلب العلم الذي يعرف به القرآن".

 

التعليقات