رقية بنت النبي

رقية بنت النبي

في بيت قام على المحبة والمودة والسكن والرحمة ، رزق النبي (ص) وزوجته الحبيبة خديجة بأربعة زهرات جميلات ( زينب - رقية - أم كلثوم - فاطمة الزهراء) ،ملأن البيت على الوالدين فرحة وبهجة وسرورا ، يلعبن مع بعضهن ساعة ، ويساعدن الأم الطيبة في بعض أعمال البيت ساعة ،ويلحون على الأب الحنون بتساؤلات واستفسارات الطفولة البريئة والساذجة ساعة ، وهكذا كما هو طبع الحياة والبشر في كل مكان وفي كل زمان ..

ثم قدر للفتيات الجميلات أن يعشن تلك اللحظة التاريخية الخطيرة والحساسة، حين اتصلت الأرض بالسماء ،فجاءهم أبوهم ذات يوم  وهو يرتعد قائلاً : "زملوني زملوني" وبقية القصة معروفة .

وقد ولدت رقية ، قبل بعثة أبيها بسبع سنوات . وأسلمت وهي طفلة مع أمها خديجة وبقية أخواتها .

 وتمر الأيام و تتزوج رقية عتبة بن أبي لهب وتتزوج أختها أم كلثوم أخيه عُتيبة بن أبي لهب.. وفي (أسد الغابة) لابن الأثير: "وكان رسول الله قد زوج ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب، وكانت دون العاشرة، وزوج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت سورة تبت قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد. ففارقاهما قبل أن يدخل بهما كرامة من الله تعالى، وهوانًا لابني أبي لهب" .

وحسب هذه الرواية فإن الزواج لم يكتمل بالدخول.

وبعد فترة ليست طويلة، يأتي عثمان بن عفان خاطباً لرقية ، وتم الزفاف ،ودخل عثمان بها وهو يعلم أن قريشا لن تشاركه فرحته بسبب مصاهرته لهذا الرجل الذي جاء يدعوهم إلى دين جديد .

وكانت الزوجة على درجة عالية من الجمال، وكان الزوج على درجة كبيرة من الوسامة والإشراق، وقد روى الحافظ بن عساكر في (تاريخ دمشق) أنه كان يقال بين المسلمين :

أحسن زوج رآه إنسان    رقية وزوجها عثمان

سعد الزوجان بحياتهما معا، وبعد عدة أشهر حملت رقية من عثمان.

وفي هذا الوقت كان إيذاء الكفار والمشركين للنبي وأتباعه قد بلغ الذروة وفاق الحد والإحتمال ، فأمر النبي (ص)  أصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة ،فهي أرض صدق فيها ملك عادل لا يُظلم عنده أحد.
فكان عثمان أول من هاجر ومعه زوجته رقية، وكان ما يزالان في بداية العهد بالزواج .
وفي الغربة ، تجمعت آلام نفسية كثرة على قلب رقية ، واشتد بداخلها الشوق والحنين إلى أبيها وأمها وجميع أهلها فأسقطت جنينها الأول.

و ظل المسلمون في أرض الحبشة يعبدون الله  حتى ترامت إليهم أخبار تقول أن قريشا قد توقفت عن عداء النبي وإيذائه،فعادت رقية وزوجها والمسلمون إلى مكة، ليجدوا  قريشا في الإنتظار ليذيقوهم ألوان العذاب و يضطروهم للهجرة مرة ثانية إلى الحبشة.
وخرجت رقية مع زوجها عثمان مهاجرة إلى الحبشة مرة أخرى، وفي تلك المرة حملت رقية بولد أخر ووضعته في ارض الحبشة وسمته " عبد الله " وكنيت به.  

ثم جاء أمر الله لنبيه بالهجرة إلى المدينة فهاجر المسلمون تباعاً تاركين أرضهم التي ولدوا عليها وعاشوا وتربوا في أحضانها .

وعاد عُثمان وزوجه رقية ليهاجرا معا إلى المدينة ، ومن هنا سميت رقية  بذات الهجرتين، أي هجرة الحبشة وهجرة المدينة.

وفي أثناء تلك المتاعب ، كانت رقية قد فقدت أمها خديجة.

وفي أرض المدينة ، إكتمل لعبد الله بن عثمان ورقية ست سنوات فنقره ديك في عينيه ؛ فمات على أثرها.

مسكينة أنت يا رقية ، من محنة إلى أخرى ومن بلاء إلى بلاء ..

وأيام ويشتد المرض عليها بعد وفاة طفلها الصغير، فيمرضها زوجها عثمان ويتولى رعايتها بنفسه بعد أن أذن له النبي (ص) بذلك، بينما هو قد خرج إلى بدر هو ومن معه من المسلمين لمواجهة جيش الكفار والمشركين.

وهنا تتجلى إنسانية النبي لأقصى درجة ، يسمح لعثمان بالتخلف عن الجيش لتمريض زوجته ، مع العلم أنه كان  يحتاج كل رجل في تلك الحرب الفاصلة التي لا توصف إلا بأنها (حرب وجود) أكون أو لا أكون.وكان النبي يدعو الله راجيا وطامعا في نصره : " اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً" .

وشاءت إرادة الله لجسد رقية أن يستريح ولعقلها أن يهدأ ولقلبها أن يفرح بلقاء الله ولقاء الأحبة- أمها وولديها- الذين سبقوها إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فتوفيت ولها من العمر اثنتان وعشرون سنة، ودفنت في البقيع.

 

 

 

 

 

التعليقات