المسجد الليبرالي

المسجد الليبرالي
توقفت كثيرا عند ذلك الخبر الذي بثته وكالات أنباء وتناقلته المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي حول افتتاح أول "مسجد ليبرالي" في ألمانيا يمكن لجميع المسلمين أن يصلوا فيه معا تاركين صراعاتهم الدينية وطوائفهم وراءهم للتركيز على قيمهم الإسلامية المشتركة.
ورغم حالة الغرابة التي تحيط بالمسجد الذي أطلق على المسجد اسم «ابن رشد- غيته»، ليجمع بين اسمي الفيلسوف الأندلسي ابن رشد والكاتب الألماني يوهان غيته، وكذلك لن يكون بمقدور رواد هذا المسجد رؤية مئذنة أو سماع صوت المؤذن، فالمسجد يشغل قاعة كبيرة في الطابق الثالث من كنيسة لوثرية قديمة، رغم ذلك لم تكن هذه الحالة الغريبة هي التي استوقفتني، ولكن الذي  استوقفني صراحة فكرة أن يكون هناك مسجدا ليبراليا.
وبقليل من التعمق في الفكرة وجدت أنها ليست فكرة جديدة، وليس هذا المسجد هو المسجد الليبرالي الأول كما ذكرت وكالات الأنباء، حيث مثل الأزهر الشريف على مر التاريخ المعنى الحقيقي لليبرالية، فقد كانت أروقته تدرس جميع المذاهب الفقهية جنبا إلى جنب، كما أن الأزهر الشريف لم يعرف يوما ما التعصب لمذهب بعينه، ولم تقتصر المناصب فيه على مذهب بعينه، فلقد كان من شيوخة المالكي والحنفي والشافعي، بل بلغ الأمر أن يخصص مكافآت شهرية لمن يدرس المذهب الحنبلي، بعد أن لاحظ شيوخه عزوفا من الدارسين عن المذهب، ثم الأهم أن رواده لم يعبدوا الله فيه على مذهب معين.
حالة الأزهر هذه وإن كانت حالة فريدة، إلا أنها في الحقيقة تنبثق من الحالة المصرية العامة التي لم تعرف التعصب لمذهب معين، فرواد مساجد مصر لا يضيرهم أن يصلوا وراء إمام مالكي أو حنفي أو شافعي أو حنبلي، بل ربما عينت الأوقاف إماما حنفيا في مسجد معظم رواده شوافع. 
التدين في مصر أبسط بكثير من غيره من الدول الإسلامية، لذلك لم تعرف مصر على مر تاريخها صراعا بين المذاهب على المستوى العلمي ولا على المستوى التعبدي، وأبسط مثال على ذلك أن المذهب المعتمد في الزواج هو المذهب الحنفي، يتزوج به كل المصريين على اختلاف مذاهبهم.
الأمر قد يبدوا مختلفا في بعض الدول العربية الأخرى، فدول الخليج مثلا (حنبلية) وتونس (مالكية) تقلد الإمام (سحنون) من تلاميذ الإمام مالك، والسودان الغالب الأعم فيها هو مذهب مالك، فربما تختلف الصورة قليلا في هذه الدول، فقد نرى بعض التعصب للمذهب الشائع، لكن على الرغم من ذلك لا يوجد التعصب كما في مساجد أوروبا.
المسلمون في أوروبا وإن بدو أكثر التزما، إلا أنهم أكثر تعصبا، وهو ما يعني أن التزامهم ربما يكون مجرد التزام الأقليات، فمن المعروف أن الأقليات في كل أنحاء العالم تكون أكثر حرصا على إظهار شعائرها الدينية، وكأنها بذلك تعلن عن نفسها، وتقول نحن موجودون ولنا حيزنا الذي نشغله في المجتمع والذي يجب أن يوضع في الاعتبار، فضلا عن أن حالات الاستفزاز المباشر بين الأقلية والأكثرية، تغري الأقلية دائما بمزيد من الندية، التي ربما تأتي مثلا في صورة التزام.
عموما ليس هذا هو بيت القصيد، وإنما ما أردت أن أشير إليه هو مدى استغرابي فكرة مسجد ليبرالي بين مسلمي أوروبا.
لماذا.. لأن المسلمون في أوروبا أشد تعصبا لمذاهبهم، وذلك بحكم أنهم قدموا إلى أوروبا من بيئات مختلفة لكل منهم توجهاته وأفكاره وميوله التي قد تجعله لا يقبل غلا بالمذهب الذي نشأ عليه والذي ربما يكون لا يعرف من المذاهب غيره، وبالتالي فغن أي مذهب آخر سوف يكون بالنسبة له مذهبا منكرا مستغربا، بل قد يكون مرفوضا.
الأخطر من ذلك، أن المسلمين في أوروبا الخلافات المذهبية بينهم ليست مجرد خلافات فقهية، كما هو الحال عندنا، ولكنها خلافات عقدية معقدة، وبالتالي فإن فكرة أن يجمعهم مسجدا واحدا فكرة جديرة بالبحث والمتابعة.
بقي أن نؤكد على أن المسلمين العرب لم يعرفوا التعصب الديني إلا من خلال المسلمين غير العرب، وأخص منهم من يعيشون في أوروبا، وهو ما يفسر أن فكرة التعصب الديني لدى المسلمين، تنمو في أوروبا بوتيرة أسرع مما تنو به في البلاد العربية.
لذلك أقول ربما تكون فكرة المسجد الليبرالي هي الحل، على ألا يكون ورائه دوافع تبشيرية، كتلك التي تتبعها المذاهب الشيعية في إفريقيا.
التعليقات