الأزهر.. من تطوير التعليم إلى إصلاح الفكر

الأزهر.. من تطوير التعليم إلى إصلاح الفكر

 

بعد ثورة يوليو حاول أغلب من تولوا مشيخة الأزهر تطويع رأى الدين لخدمة السياسات السائدة وإزاء هذه التطور فى البنية التعليمية تدرج فى الإصلاح الفكرى للأزهر، كان يعلو ويهبط، يتوهج ويخبو، حسب التكوين العقلى لمن يتولى المشيخة. وإذا كانت حركة النهضة المصرية قد اشتد عودها مع بداية القرن العشرين، فإن الأزهر فى ذلك الآونة، كان يقوده رجلا ناصر الثورة العرابية، وتولى نظارة دار الكتب، وكان صديقا لمحمود سامى البارودى، وتحمس بقوة لأفكار الإمام محمد عبده الإصلاحية، وهو الشيخ على محمد الببلاوى (1902 ـ 1905).

لكن من أتى بعده وهو الشيخ عبد الرحمن الشربينى (1905 ـ 1906)، كان تقليديا سلفيا، عادى الإصلاح وتحيز للقديم. فلما جاء المراغى وضع نواة رقابة الأزهر على المنتج الفكرى من خلال إنشاء هيئة تراقب البحوث والثقافة الإسلامية والكتب التى تهاجم الدين. وتبعه الظواهرى، الذى كان إصلاحيا إلى حد كبير، يميل إلى تجديد الفقه بما يواكب التغيرات الاجتماعية والسياسية، ويسعى إلى أن يكون علماء الدين ملمين بمجريات الواقع، وأن يفهموا فى السياسة قدر فهمهم فى الفقه والأصول والحديث..إلخ.

 وكان الظواهرى يطبق هنا أفكاره التى ضمنها فى كتاب وسمه بـ«العلم والعلماء»، دافع فيه باستماتة عن الأفكار الإصلاحية لمحمد عبده، ما دفع الخديو عباس حلمى إلى محاربته، وجمعت نسخ الكتاب لتحرق فى ساحة الجامع الأحمدى بطنطا، لكن مصادرة الكتاب، لم تحل دون ذيوعه، فانكب الطلاب ينسخون منه صورا باليد، ويتبادلونها. وأعاد الإمام عبد الحليم محمود طبع الكتاب، حين كان يتولى أمانة مجمع البحوث الإسلامية.

وبعد الظواهرى تبوأ مشيخة الأزهر رجل مستنير، من تلاميذ محمد عبده، وهو الشيخ مصطفى عبد الرازق (1945 ـ 1947)، الذى درس الفلسفة والآداب بجامعة السربون، فزاوج بين ثقافة الغرب وتراث الإسلام، ولذا نادى بانفتاح الأزهر على الغرب، وشيد قاعة محمد عبده بالأزهر لتكون ملتقى للمؤتمرات الدولية الإسلامية، وترجم بعض الكتب الدينية، وفى مقدمتها «رسالة التوحيد» إلى اللغة الفرنسية.

وواصل خلفه الإمام محمد مأمون الشناوى (1947 ـ 1950) ما أمكنه من مسايرة عبد الرازق، حين أرسل نوابغ طلاب الأزهر لتعلم اللغة الإنجليزية، كى يصبحوا دعاة عصريين قادرين على مخاطبة «الآخر». أما الإمام عبد المجيد سليم (1950 ـ 1951/ 1952 ـ 1954)، فقد انصب اهتمامه على تحرير الفقه من التقيد بالمذاهب، التى حاول التقريب بينها، ودعا إلى إعمال العقل فى الأمور الدينية.

وبعد ثورة يوليو 1952، حاول أغلب من تولوا مشيخة الأزهر تطويع رأى الدين لخدمة السياسات السائدة، فشلتوب أفتى بأن «القوانين الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام»، والدكتور محمد الفحام الذى تولى المشيخة فى الفترة من (1969 ـ 1973)، اعتبر أن الانقضاض على الاشتراكية بمقتضى ما أسماها السادات ثورة التصحيح عام 1971 هو «خطوة تأتى من أجل كفالة الحريات للوطن والمواطنين وسيادة القانون وبناء لدولة الجديدة».

ويمكن القول إن الأزهر قد استوعب بعض الأفكار الإصلاحية التى روج لها رواده على مدار قرن من الزمان، يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، إلا أنه لم يتخذ خطوات فارقة على هذا الدرب، نظرا لطغيان «السياسى» على «الدينى» و«الفكرى» معا عقب قيام ثورة يوليو، ما جعل الخط البيانى فى إصلاح الأزهر، يتوقف أحيانا أو يعلو ببطء، وهو وضع لا يقارن أبدا بالتطور الكبير الذى كان يحدث إبان العهد الليبرالى، حين شرع أنصار الليبرالية فى طبع بصماتهم على الرؤية الدينية، بما يمكنها من أن تلقى بغمارها تدريجيا فى الواقع المعيش، وتخرج من إسار الكتب القديمة، التى أنتجها الفقهاء فى عصور ولت.

وفى قضية الإصلاح يجب القول أن كل الشيوخ وعلماء الدين الأزهريين ليسوا سواء، فإن كانت هناك قلة تؤمن بأن دوره لا يجب أن يتعدى مواصلة تبليغ رسالة الإسلام، فإن الأغلبية منهم تعتقد أنها وصية على الدين، أو المتحكمة فى تعيين مجاله وحدوده ومساراته وتأويلاته وتفسيراته، وقبل كل ذلك أسسه، أو بمعنى أكثر تفصيلا ووضوحا، تعتقد أنها هى من يقرر ما يسمى «المعلوم من الدين بالضرورة»، والفواصل أو المفاصلة بين «الحلال والحرام» وبين «الحق والباطل» وبين «الإيمان والكفر»، وبسبب هذا يميل أغلب المشايخ إلى التقليد، ويلبسون الدفاع عن مصالحهم ثوب الدفاع عن الدين، ويطاردون كل من يروم تجديدا وتنويرا.

على وجه العموم، يألف المتحكمون فى المؤسسات الدينية دوما الأفكار التقليدية، والأشخاص الذين يسايرون ما يجرى، ويرددونه ولا يبرحونه، وهذا ليس خاصا بالأزهر إنما المؤسسات كافة فى الإسلام وغيره من الأديان، والتى تتحول، بمرور الزمن، إلى هيئات بيروقراطية، يوظفها القائمون عليها فى خدمة مصالحهم ومنافعهم الذاتية، وهذا يتحقق فى ركاب السكون، وليس فى رحاب الحركة، وفى التكلس والجمود، وليس فى التجدد والتغيير. وهناك آلية تتبلور مع الوقت تتحكم فى عمل المؤسسة تدفعها فى طريق الحفاظ على ما هو قائم، والخوف من التحرر.

ولذا فبدلا من أن ينفتح الأزهر إن أراد أن يواكب التطور فى العلوم والأفكار وطرائق العيش والتصورات الدينية، على التنويرين أو الإصلاحيين من داخله، فإذا به يضيق الخناق عليهم، مع أنه الأولى والأحرى به، كما يقول القائمون عليه دوما، أن يعترف بالتعددية والتنوع داخل الإطار أو الفضاء الدينى الواحد، وأن يترك كل الآراء تبدَى بلا حرج. فإذا كانت وظيفة النبى عليه الصلاة والسلام نفسه، كما ورد فى القرآن الكريم، هى الإبلاغ لا فرض الدين، فلا يمكن أن نتصور وظيفة أو دورًا للأزهر يتعدى هذا أو يجور عليه.

والسؤال الذى يفرض نفسه فى هذا المقام هو: هل القيادات الحالية قادرة على التجديد؟ أعتقد أنه يوجد إصلاحيون فى المواقع العليا للأزهر، لكنهم قلة وصوتهم خافت، ومن حاول منهم أن يدفع فى طريق التجديد، تم كبت صوته أو إجباره بنعومة أو خشونة أحيانا على الصمت والإرجاء. أما أغلب المتحكمين فى القرار، كما نعرف مما يرشح من معلومات ومواقف، فيميلون إلى الإبقاء على الوضع كما هو عليه، مرة مجاراة لتيار متسلف سيطر على الأزهر، ومرة لخلاف مع قلة من الإصلاحيين لدى أغلبهم حرص على الاستقلال والحرية فى التفكير والتعبير، ومرة لعناد مع السلطة السياسية لاسيما فى جوانبها التنفيذية خصوصا وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، ومرة لسد الطريق أمام الإصلاحيين للاقتراب أكثر من المشيخة والشيخ، ومرة لمغازلة تيارات فقهية وفكرية فى بعض دول الخليج، ومرة لاعتقاد زائف بأـن دور الأزهر يقتضى منه هذا فى وجه التيارات التى يسميها الأزهريون علمانية.

ورغم كل هذا طلب الرئيس عبد الفتاح السيسى من هذه القيادات التجديد رغم حديث الباحثين بصعوبة قيامهم بذلك، نظرا لأن الرئيس، كغيره من الرؤساء السابقين، يدرك أن الأزهر ينظر إليه على نطاق واسع، فى أروقة الحكم أو لدى قطاع عريض من الجمهور، بوصفه أحد أعمدة الدولة. وبالتالى فالتعامل معه لا فكاك منه، ومطالبته بأن يلعب الدور الأهم فى التجديد أمر طبيعى من الناحية الرسمية أو الشكلية، لاسيما مع وجود مادة فى الدستور تعطى الأزهر هذا الموقع أو تلك المكانة. لكن الرئيس، أو السلطة السياسية بعمومها، لا تبذل ما عليها من جهد فى سبيل تمكين الإصلاحيين داخل الأزهر، جامعا وجامعة، ليس بالتدخل السافر أو الإجبار، إنما بالحوار والتفاهم والحض المستمر الذى يقود من الزمن إلى تمكين هؤلاء تدريجيا.

وتدرك السلطة أيضا أن هناك قوى وجماعات دينية متطرفة تسعى بكل قوة إلى هدم الأزهر، حتى لا يجد الناس أمامهم سواها ليلبوا طلبهم على الرأى والفتوى الدينية، وهو طلب لا يتوقف، وكل سؤال فيه يحتاج إلى إجابة، وإن جاءت الإجابة من الأزهر، مهما كان، تظل أكثر أمنا من أن تأتى من جماعات توظف الإسلام فى تحصيل الثروة وحيازة السلطة السياسية. وهذا يفرض ضرورة العمل مع الأزهر، والصبر على هذا، لكن فى ظل وجود تصور أو استراتيجية للإصلاح الدينى، تتحقق مع الزمن.

ولا أعتقد هنا أن الدولة تدفع فواتير للأزهر لموقف المشيخة فى ٣٠ يونيو، ومواقفة شيخ الأزهر على الجلوس ضمن الفريق الذى أطلق خريطة الطريق التى بمقتضاها تمت إطاحة حكم الإخوان. فلم يكن بوسع الأزهر أن يقف ضد الأغلبية الكاسحة من الشعب، وبالتالى ليس بوسعه أن يتحدث عن فواتير فى أعناق الدولة له، لأنه بالأساس جزء من هذه الدولة.

وسط كل هذا تبقى الأزمة الحقيقية هى الهروب من المسئولية حيال ما هو مطلوب بالفعل، والمطلوب هو «إصلاح دينى»، يجعلنا نمتلك «خطاب دينى جديد» وليس مجرد الاكتفاء بالحديث عن «تجديد الخطاب الدينى»، الذى لا يتعدى طلاء جديدا لجدار قديم متهالك، يريد أن ينقض. والتذرع بأن الإصلاح الدينى يخص المسيحية الغربية فقط وليس الإسلام أمر يدعو إلى السخرية، فبعض التصورات والمؤسسات الدينية الإسلامية باتت تلعب الدور المعوق نفسه الذى كان يلعبه الدين فى أوروبا، وعلماء الدين فى بلاد المسلمين يقولون ليل نهار إنه لا كهنوت فى الإسلام، لكنهم فى تصرفاتهم وتصوراتهم ودفاعهم عن مصالحهم الذاتية بدعوى أنها الدين يتحولون إلى كهنوت بشكل صارخ. وهناك رؤى فقهية وتفسيرات وأحاديث منسوبة للرسول، عليه الصلاة والسلام، وتواريخ وسير من العهد الأول تحتاج إلى مراجعة شاملة، كذلك نحتاج إلى الإجابة عن السؤال المهم حول ما إذا كان القرآن نصا أم خطابا.

د ـ جامعة الأزهر وخدمة المجتمع

تقدم الجامعة خدماتها للمجتمع من خلال أربعة مستشفيات، ثلاث منها بالقاهرة هى مستشفى الحسين الجامعى، ومستشفى الزهراء الجامعى، ومستشفى باب الشعرية الجامعى، والرابعة هى مستشفى دمياط الجديدة. وهناك ثلاثة عشر مركزا تقدم خدمات للمجتمع هى: مركز المعلومات والتوثيق ودعم اتخاذ القرار، ومركز الحاسب الآلى بفرع البنات ، ومركز المناعة وامراض لحساسية ، ومركز لبيوتكنولوجيا التخمرات والميكروبيولوجيات التطبيقية، ومركز الهندسه الوراثية، ومركز دلالات الأورام - بكلية الصيدلة بنين – القاهرة، و مركز آعاقات الطفولة، ومركز العلوم لتحديد ومعالجة المخاطر البيئية ، والمركز الدولى الإسلامى للدراسات والبحوث السكانية، ومركز صالح كامل للإقتصاد الإسلامى، ومركز تكنولوجيا البلازما The Center Of Plasma Techonlogy، والمركز الاقليمى للفطريات وتطبيقاتها، وحده المناعه الجزيئية، ومركز جامعة الأزهر للدراسات والبحوث الفيروسية.

كما تقدم الجامعة خدماتها للمجتمع من خلال المكتبة، التى بدأ الاهتمام بها بعد صدور القانون 103 لسنة 1961، والذى تم بموجبه إنشاء وتمـــــــويــل مكتبات الكليات الجـامعية التى كانت تمارس نشاطها العلمى آنذاك، لينتهى الأمر إلى إنشاء مبنى المكتبة المركزية الحالى، والذى وشارك فى انشائه وتأسيسه وتجهيزه خبراء من هيئة اليونسكو ، وبلغت مساحة المبنى 1200 متر مربع، وتم افتتاح المبنى عام 1992. والمكتبة مفتوحة أمام طلبة العلم والباحثين من مختلف الجامعات المصرية وغيرها.

 

 

التعليقات