عمار ومينا والإحساس بالبنوة

عمار ومينا والإحساس بالبنوة

نشأت في قرية، رغم كثافتها السكانية المرتفعة جدا، إلا أن سكانها من المسلمين.

كنت في صغري أعتقد أن هذه ميزة، وكنت أتعجب من علاقة الصداقة بين أبي وبين مسيحيين أمثال (عمي موريس) (وعمي سعد شكر الله) وغيرهما، وكان والدي دائما يوضح لي الصورة ويعلمني أنها علاقة إنسانية لا دخل للدين فيها.

لم أفهم كلام والدي إلا بعد أن كبرت ونضجت ووعيت لما كان يعلمني إيه والدي.

اليوم أتذكر تلك المشاعر وولدي عمار يستضيف صديقه المقرب جدا منه والمحبب إلى قلبه (مينا) ليتناولا سويا الإفطار.

جلست أرقبهما وهما يمرحان بقلوب لا تعرف إلا الحب، ثم قولت لنفسي، كيف يمكن أن يتحول هذا الحب كره وعداء.

هل يمكن لفكر ما أن ينزع هذا الحب وهذا القرب وهذا الود من صدر أحدهما؟، وإذا كان هذا مستحيلا، كما أزعم وأتصور، فكيف حدث هذا لآخرين، لابد إذن أن فكرا شيطانيا ينخر في عقول أبناء هذه الأمة ليحدوا عما تربوا ونشئوا عليه.

إذن هي مسؤولية الوالدين، فهما وحدهما من يستطيع منع هذا الفكر الشيطاني من التسرب إلى عقول الأبناء من خلال علاقتهما بهم.

فالعلاقة بالوالدين تتنوع على أساس مدى الارتباط الذي يربط الابن بوالديه، ومهما كان الإبن بارا إلا أنني أرى أن علاقة أسمى وأرقى من الممكن أن تكون هي الجامع الذي يربط بينه وبين والديه، وهي إحساس الإبن بالبنوة.

ربما لا يتوفر هذا الإحساس لدى كثير من الأبناء، ولكنه في الواقع هو الباعث الذي من خلاله يندفع الأبناء في علاقاتهم بوالديهم إلى الرغبة في مزيد من البر أو تستطيع القول إلى الرغبة في أن يكونوا أبناء يقدرون لوالديهم ما بذلوه من جهد وتعب من أجل تربيتهم على النحو الذي صاروا على غراه آباء وأمهات.

أحساس البنوة هذا هو الذي يجعل الأبناء في حاجة ملحة لوالديهم.. حاجة تختلف عن الحاجات التي طالما كان الإبن يقف عاجزا عن تأديتها ولا يستطيع إلى ذلك سبيلا إلا من أحد والديه.

هذا الإحساس وإن كان الإبن قد تخلص من الحاجات المادية التي يلبيها الوالدين له إلا أنه يظل مربطا بالإبن البار، إحساس يخلق فيه رغبة ملحة في الارتماء في أحضان والديه تماما كا لو كان صغيرا يخاف من شيء ويشعر أن الوالدين بالنسبة له هما مصدر الأمن الوحيد الذي إن بقي في كنفه حماه من كل نوب الدهر... إحساس يجعلة يجد متعة متناهية وهو يقبل على يديهما وجبهتيهما ورأسيهما وهو يقول بلسان حاله رب ارحمهما كما ربياني صغيرا... إحساس يجعله يريد أن يقطع الماسافات لمجرد إطلالة في وجهيهما... احساس يجعل شعورا يتملكه بأنه لا يستطيع العيش بعيدا عنهما... احساس يجعله مهما كبر سنه وعلا منصبه وعظم سلطانه يقف أمامهما وقفة المؤدب الخاشع الملتزم المؤتمر بكل بما يأمران به.

ثم الأهم من كل ذلك أن بره بوالديه ليس على كونه واجبا يؤديه فيسقطه عن نفسه فحسب، ولكن على كونه عمل محبب إلى نفسه مقرب إلى قلبه يفعله وهو يستشعر بسعادة تغمره ورغبة في آداء المزيد، لأن بر الوالدين إن أداه الأبناء لمجرد كونه واجبا فمن المؤكد أنه لن يكون مكتملا وسوف يتخلله النقص من جانب ما، لأن البر قبل أن يكون أفعلا فهو أحاسيس من المفترض أن تنتقل مع هذه الأعمال فيشعر بها الوالدين قبل أن يلمسا الأفعال المادية ، خاصة إن كانا في غنى عن كل ماديات الدنيا ولا يحتاجون سوى إثبات أن الثمرة التي غرساها وتعهداها بالتربية والتهذيب الآن قد نضجت وتؤتي أكلها حبا وبرا وطاعة.

فماذا يستفيد الوالدين من إبن أغدق عليهما عطاياه وغمرهما بماله وهو في ذات الوقت جاف المشاعر غليظ الكلام، لا أظن أن أحد الوالدين يريد من ابنه هذه العطايا والأموال بقدر ما يحتاجان إلى ابن يشعرهما أنه يستمد أنفسه في الحياة من رضاهما عنه، ويشعرهما أن شخصيته هي تلك العجينه الطرية اللينة الهينة التي شكلاها بأيديهما، والتي هي رغم قساوتها وصلابتها في مواجهة ظروف وتقلبات الحياة إلا أنها على استعداد تام لأن تعود من جديد طرية هينة لينة أمام الوالدين إن هما أرادا ذلك أو إن وجها نصيحة أو أمرا بفعل أو نهيا عن عمل.

التعليقات