الحال المائل

الحال المائل

هذا المشهد الفانتازى العجيب لم يدهشنى بالمرة، رغم أنه يحدث فى الإسكندرية، مدينة العمارة القديمة، وعمود السوارى الشامخ فى مكانه منذ أكثر من اثنين وعشرين قرنا، لم يفكر يوما فى التحرك من مكانه رغم وجود تجويف جبلى أسفله على عمق سبعة عشر مترا فقط. أما المدينة حديثة البناء، عالية الأدوار فقد قررت بناياتها العالية أن تميل على العمارات المقابلة، وبكل رومانسية مالت واحدة من هذه العمارات فى حى الأزاريطة الراقى قريبا من جامعاتها نحو حبيبتها العمارة المقابلة. إنه مشهد رومانسى رائع، فالمنظر العجيب هو أن عمارة وبكل رومانسية تقرر معانقة العمارة المقابلة، كأنها تود أن نعبر عن مشاعرها بدون أى خسائر فى الأرواح أو إراقة دماء لأن العنف يتناقض مع الرومانسية، أو أن تثبت لها مدى هيامها بها بدفء ملحوظ بدون خسائر.

لماذا لم يدهشنى المنظر؟

الأمر بالغ البساطة، فأنت لو ذهبت إلى المدن الصغيرة فى كل محافظات مصر، تكاد ترى مثل هذا المشهد يتكرر.

عمارات متلاصقة متساندة كما العشاق، كما أن المسافة تضيق بشكل ملحوظ كأنما الجيران فى حالة تقارب شديد مثل البنايات، عمارات شاهقة بزغت فوق أرض زراعية أحس المصريون بقيمتها فباعوها بالغالى، وحولوها إلى أرض مبان رفعت الأسعار عاليا، يمتصونها بقوة، فالمسافات بين البيوت ضيقة للغاية والعمارات الشاهقة المبنية بالطوب الأحمر الغريب الشكل، كما أن منظر البيوت يبدو أشبه بالمشاهد الكاريكاتورية فالعمارة مثل أبو طويلة الأهبل لا يستطيع الثبات فوق الأرض الطينية، ولولا قانون الاستناد لوقعت جميعها، وسوف يحدث هذا يومًا ما، وقد حدث هذا بالفعل فى الإسكندرية، فالعمارة العاشقة لم تحتمل أن تسقط جارتها. ولو دققت فى هذه الأبنية المنتشرة فى مدن مصر بشكل سرطانى لأدركت الكوارث التى تنتظرنا.

من السهل أن تلاحظ حال مصر وعماراتها المائلة بما يؤكد الحال المائل الذى نعيش فيه والانهيارات المتوقعة التى تنتظرنا جميعا.

فى أيام هوجة يناير كنت أسافر إلى المنيا كل أسبوع بالقطارات، وكم كان قلبى يتمزق وأنا أرى تهافت الناس على مر المحافظات فى غياب الأمن وهم يدمرون الأرض الخضراء على مرمى البصر. وقد أصابت الناس هوجة البناء العشوائى للتأكيد على سياسة الأمر الواقع، وأعتقد أن يوم دفع الثمن لهذه العمليات الإجرامية فى حق مصر يقترب.

التعليقات