المجتمع الذكوري

المجتمع الذكوري

 

أصبح في حكم المعتاد أن نسمع عند مناقشة أي من القضايا الاجتماعية مصطلح مجتمع ذكوري، ذلك المصطلح الذي بات مطاطا أكثر مما يجب، وبات يستعمله كل راغبي الشهرة وهوسي التعلق بما يمكن أن أطلق عليه "موضة التعبيرات المستحدثة" التي لا تلبث حتى تكون كما العلكة على جميع الألسنة.

ليس لدي مانع على الإطلاق أن نجدد ذاكرتنا اللغوية بمفردات أو مصطلحات جديدة، لكن المانع الوحيد الذي يجعلني متحفظا حيال هذه الهوجة، أن من يدري ومن لا يدري يسير مع الركب ويردد مع من يرددون، دون أن يكون لديه الدراية الكافية بمفهوم المصطلح ولا حتى الأوقات التي من المفترض أن يطلق فيها.

الأمر الذي لاحظته ووجدته غاية في الغرابة أن كل من يستخدم مصطلح "مجتمع ذكوري" يدلل به على غير معناه، فالجميع يردد المصطلح وكأنه سبة أو وصمة عار أو خروجا عن المألوف، ولو أن هؤلاء عرفوا ما الذي يعنيه المجتمع الذكوري، ما انجرفوا في إطلاق هذا التوصيف بهذه السذاجة التي لا أظنهم يدركونها، لأن المجتمع الذكوري بمفهومه الصحيح الذي لم يقف أحدهم على حدوده هو مزيد من الكرامة ومزيد من الشهامة ومزيد من التضحية ومزيد المسؤولية، هذا هو المجتمع الذكوري الممزوج بصفات الرجال التي توارثناها عن آبائنا وأجدادنا، وما كنت أتخيل أن أحدا ممن تربى على هذه الثقافة لا يفهم هذه المعايير.

لكن الحاصل أن البعض لا يدع لنفسه فرصة الفهم ويتابع ما سبقه الآخرون إليه، وكأنه مجرد ببغاء يكتفي بدور المردد.

قضية المجتمع الذكوري التي طفت مؤخرا على السطح على ألسنة نجوم الفضائيات، تؤشر بشدة على ما يجب أن نقبله مما يطرح على آذاننا وما يجب أن نرفضه، لأن الملقى على الساحة في وقتنا الراهن في حاجة لمزيد من المراجعات والمتابعات قبل أن يصير لفظا دارجا ومصطلحا شائعا تلوكه كل الألسنة وتتلقاه كل الآذان.

الأمر يحتاج إلى مراجعة البقية الباقية من حكماء مجتمعاتنا قبل أن تتفاقم المشكلة وقبل أن يؤصل لإطلاقاتنا على الأشياء من هم ليسوا أهلا لذلك وقبل أن نجد أنفسنا محاصرين بموانع حصينة من المصطلحات الدخيلة، التي لا تعبر عن فكر المجتمع ولا ثقافته.

وأخيرا أقول لهؤلاء المنجرفين وراء انتقاد المجتمع بوصفه مجتمعا ذكوريا: لو أنكم أدركتم ما تعنيه بالفعل هذا الإطلاق لتأكدتم أن المجتمع الذكوري هو المجتمع الذي يحنو على المرأة ويحافظ عليها ويتعهدها بالرعاية والحنان وينظر إليها على كونها كائنا رقيقا يحمل واجبات تجاهها، ولا ينظر إليها بمنطق الندية الذي أظنه أضرها أكثر ما نفعها.

التعليقات