لماذا يقتلون الأقباط ؟

لماذا يقتلون الأقباط ؟

استشعر ما في حلوق المصريين من مرارة إزاء ما يتعرض له أقباط مصر من قتل بدم بارد ، لا يدع مناسبة تمر يحاول المصريين كعادتهم الفرح بها، إلا وجاء من يغتال هذه الفرحة.

واستشعر بشكل خاص ذلك (المرار الطافح) لدي أقباط مصر، وأضع نفسي مكان كل واحد منهم، سواء من أصيب أو من له مصاب، أو من أصبح يستشعر أنه غير آمن على نفسه وعلى ماله  وأهله.

ربما كنا في الماضي لا نحبذ التهويل حتى لا ندع فرصة لشامت، أو نفتح بابا لمزايد أو نترك الأفكار تتلاعب بمزعزعي الوطنية، وكنا نقول: إنه حادث إرهابي، لا يفرق بين مسلم ومسيحي، لكنه  صادف هذه المرة أقباطا.

لكن بعدما أصبح الإرهاب ضد الأقباط عملا ممنهجا، أصبحت بالفعل أخشى على الوطن أن ينجر إلى حيث أراد له هؤلاء الخبثاء الملاعين، وأصبحت أخشى على الوطن من الكفر به وبالانتماء له.

أعلم أن هذا الهدف سوف يظل إن شاء الله بعيدا عن (شواربهم)، وأعلم أن مصريا لا يمكنهم بحال من الأحوال أن يكفر بوطنه، لأن الوطنية المصرية ليست مجرد انتماء، ولكنها حالة متفردة لا مثيل لها في العالم.

حالة في دم كل مصري تجعله يتمسك بها مهما قست عليه الظروف، فكل المصريين في هذه الحالة سواء، لم يستثن منها إلا بعض الشواذ ممن لا يصح القياس عليهم.

لكن وجود هذه الحالة لا يعني أن نبقى في مكان المتفرجين تاركين جزء من نسيج الوطن تعبث فيه (العِتَّة) مستندين على أن نسيج الوطن (قماشة) متينة لا يمكن أن تتآكل أو أن تنال منها حشرات الملابس، فمجرد وجود هذه الحشرات وإن كانت كما قلت لا تؤثر في نسيج الوطن، إلا أن وجودها لا يخلو من تعكير مزاج من يتدثرون معا به، كما أن الطرق المستمر على جزء واحد من الثياب يجعله عرضة لأن تتفكك خيوطه وتنقض عراويه.

أعود لأسأل مرة أخرى، لماذا هذا الجزء من نسيج الوطن؟ لماذا الأقباط في كل مرة؟، هل هو خلاف العقيدة وكره الآخر، كما كنا نعتقد، هل هو موقف عقابي انتقاما من التوجهات السياسية للغالبية العظمى من الأقباط، كما يعتقد البعض؟، هل عي رغبة في الغلبة وبسطة النفوذ الذي يسيطر على أتباع الأفكار المتطرفة؟ .

أصبحت على يقين أن الإرهاب ضد الأقباط ليس لأي سبب مما ذكرت، ولكنه ينطلق من أبعاد شيطانية ينفذها إما مغفلون مضللون، أو مجرمون عتاة في الإجرام.

أما أصحابها الحقيقيون، فهم من يدركون أن خطورة مصر ومكانتها تكمن في وحدتها، لذلك أطلقوا علينا رياح الفرقة والتشتت من كل اتجاه، يعلمون أنها لم تنل منا حتى الآن، لكنهم يراهنون على عوامل التعرية، على التحول البطيء.

لذلك فإن دور الوطني الحق أن يكون حائط صد لهذه الرياح، ولا يدعها تنخر في جزء واحد من الوطن، حتى لا نتفاجأ في يوما ما أن هذا الجزء قد تآكل  ولم يعد يقوى على المقاومة.

أرانا حتى الآن نحاول بالفعل أن نتكاتف في وجه هذه الرياح، لكنها للأسف محاولات تقليدية باهتة، سئمها الأقباط، سئموا في كل حادثة يتعرضوا لها الحديث عن الوحدة الوطنية، وعن أخوة الوطن، سئموا الغناء للوحدة الوطنية.

أظنهم اليوم في حاجة لأن يشعروا برغبة حقيقية من شركائهم في الوطن بتقبلهم، وهم أيضا في حاجة لأن نتفهم حالة الغضب التي تسيطر عليهم، بل ربما هم في حاجة لأن نشاركهم نفس مشاعر الغضب، ولكنه الغضب العاقل المسؤول.

ولئن كان الحكمة تقول: "رب ضارة نافعة"، فإن النفع الذي تحقق لنا اليوم ، هو ما أسميه شيوع الحالة، فلأول مرة يستشعر المسيحيون وهم في خضم ما تعرضوا له، أن الوطن كله يشاركهم حالة الحزن، ودعوني أيضا أعترف أن حالة الحزن السائدة، حالة حقيقية ليست مدعاة، وليست وقتية، عاشها الناس وقت أن رأوا أشلاء الضحايا متناثر، ثم ما تلبس أن تنقضي، لكنها لم تنقضي هذه المرة، وظلت مرارة في حلق كل المصريين، حتى على الرغم من دخول شهر رمضان، فإن الحزن لم يتغير، ليبقى صيام المصريين ممزوجا بالحزن، لكنه في الوقت ذاته مقرونا بالتحدي.

التعليقات