نحن صنيعة الخوف

نحن صنيعة الخوف

في عز فرحتنا دايما نلاقي الخوف

واقف في سكتنا مشتاق لنا وملهوف

كإننا واحشينه.. مع إننا عايشينه

خوف خلانا وإحنا مغمضين بنشوف

لا عمره خلى القلب يفرح فرحة بجد.. ولا عمره خلى حد حد يطمّن لحد

يا ما حاولنا وكان نفسنا.. ننسى روحنا نسيب نفسنا

بس تملي بيفوقنا شعور بالخوف

بهذه العبارات الحالمة، سَمِعتُ المطربة هدى عمّار تشدو في فيلم "قص ولزق" ذلك الفيلم الذي يلعب منذ البداية وحتى مشهد النهاية على تيمة الخوف.

الخوف كلمة قصيرة من ثلاثة أحرف قادرة على إرباكنا وجعلنا نشعر بقبضة القلب الخانقة حتى في أكثر لحظات السعادة سموًا ورونقًا.

من منا لم يشعر بالخوف بعد أكثر اللحظات قُدسية مع الحبيب سائلا نفسه هل سيدوم هذا الحب.. هل سيظل يحبي يا تُرى؟ من منا لما يشعر بالخوف على طفله الصغير وهو يلهو ويلعب داعيًا الله بخوف بأن يحفظه. من منا لم يشعر بالتوتر في حفل زفاف صديقٍ مقرب وأحس بالخوف يتسرب إليه كلما وجد المدعوين يضحكون ويرقصون.. هكذا نحن شئنا أم أبينا.. نحن صنيعة الخوف! 

"إذا أردت شيئا بشدة فأطلق سراحه فإن عاد فهو لك وإن لم يعد فإنه لم يكن لك منذ البداية"..أنا لا أعلم بالضبط من قائل هذه العبارة التي أصادفها كثيرًا على الانترنت ولكنه يبدو بالنسبة لي شخص شجاع جدًا ربما لم يعرف الخوف طريقا إلى قلبه أبدًا.. فمن من يمتلك جرأة التخلي؟ من منا يستطيع حقًا أن يتمتع بقدر من الشجاعة ويترك الأشياء التي يحبها تطير من أمام ناظريه ثم يجلس منتظرًا ساعة الحظ في العودة؟ وجدتني أجد تنفيذ العبارة يتطلب قدرًا عظيما من الشجاعة.. وأنا أخاف! أنا أخاف بحق وأشعر أن خوفي في أحيان كثيرة هو جزء طبيعي من بشريتي.

أخاف من تفاصيل كثيرة وأجد أن جملة فيروز السهلة الممتنعة تعبر عني – وعن البشر- أكثر . "شو بخاف دق عليك وما لاقيك..شو بخاف بنص الليل ما حاكيك..شو بخاف حتى الخط ما يلاقيك".. تبدو لي فيروز إمرأة طبيعية.. تحب من القلب ويناتبها ذلك الخوف الفطري أن تدق يومًا على هاتف حبيبها فلا يجيب.. تخاف حتى من أن يرفض الهاتف إيصالها بالمحبوب!

الخوف الشديد –في رأيي- هو أحد أهم أسباب الفشل في كل العلاقات الإنسانية فمن يشعر ويتأكد بأنك خائف بالفعل سيبدا باستغلالك لا محالة، حتى ولم يتعمد ذلك، فهذه طبيعة البشر في العلاقات الإنسانية.. لسبب واحد فقط وهو إنه سيضمن أن خوفك من الفقد سيبقيك متشبثًا به حتى لو كنت تحترق بناره كل يوم.

قارن بين موظف يعلم مديره جيدًا بأنه يرتعب من فكرة أن يترك العمل، وبين موظف يشعر مديره بأنه يعمل لأنه يحب عمله ويستمتع به.. ستجد أن مديرالموظف الأول مع مرور الوقت بدأ باستغلال الموظف إلى أقصى حد، لأنه يعلم جيدًا أنه يخاف من الفصل وستجده يلوح دايمًا بكارت التصفية أو الرفد كلمّا قصّر الموظف في شيء أو كلما أراد المدير شيئًا حتى وإن لم يكن من سلطته.

قارن بين زوجة يعلم زوجها أنها متعلقة به تعلقًا مرضيًا وتخشى أن يتركها أو يطلقها، وبين زوجة يعلم زوجها تمامًا بأنها تعيش معه فقط لأنها سعيدة ولإن وجوده يضيف لها كرجل في حياتها وأنها مستعدة للتخلي عن كل شيء إذا لم تجد السعادة المنشودة والمعاملة اللائقة.. ستجد بطبيعة الحال ان زوج المرأة الأولى ربما يقسوعلى زوجته أو يتعامل معها بمنطق " مهي موجودة هتروح فين" أما زوج المرأة الثانية فيحاول دائما الاستثمار في العلاقة حتى يضمن أنها سعيدة وراضيه عن حياتها معه.

حتى في الحب.. تؤكد معظم  كتب ومقالات العلاقات العاطفية بإنك إذا خفت طوال الوقت بأن يهجرك حبيبك فربما يهجرك بالفعل!  وأن أحد أهم أسلحتك مع الحبيب ألا تخاف هجره بشكل مَرضي فتبث ذلك طوال الوقت لعقله اللاواعي فيصدق بمرور الوقت بأنه سيستطيع التخلي عنك بسهولة.. يجب أن تقنع نفسك طوال الوقت بأنك شخص غالِ ومميز في حياة من تحبهم ويحبونك وأن من سيتركك سيفوته الكثير ولن يستطيع تعويضك بسهولة.. أنت تقدم الكثير من الحب والاهتمام وتستحق أن تعامل بالمثل وهذا هو المبدأ الوحيد الذي لن يجعلك خائفًا بعد اليوم من أي علاقة تخوضها. لا تخف أبدًا من أن يتركك شخص لا يهتم بك بالشكل اللائق فخسارته حينها مكسب لو تعلم عظيم.

الخوف يشل تفكيرنا، يمنعنا من الاستماع بالحب ويجعلنا نرتعب  من خوض أي تجربة جديدة مهما كانت مثيرة ورائعة.. الخوف يجعلنا نهيل التراب على كنوزنا الدفينة التي لن ننقب عنها ونفتحها إلا عندما نتحلى بقدر محسوب من الشجاعة.. يقول أحد خبراء التنمية البشرية: "إذا كان الأمر يسعدك ويثير فيك القليل من الخوف فهو أمر ربما يستحق التجربة".. جرّب ولا تخشى، فلا بأس من بعض الدوبامين والأدرينالين فأنت تحتاجهما أحيانًا يا صديقي حتى تطلق الوحش الصغير الكامن بداخلك .

التعليقات