عندما مسح النبي دموع عمار

عندما مسح النبي دموع عمار

 تحكي كتب التاريخ والطبقات أن والد عمار بن ياسر قد خرج من بلده اليمن يريد أخا له، يبحث عنه، وفي مكة طاب له المقام فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، وزوجه أبو حذيفة إحدى إمائه (سمية بنت خياط) ورزقا بابنهما (عمار)، وكان إسلامهم مبكرا.

وكما هو معروف من التاريخ بالضرورة فالسابقون والمبكرين الأوائل في الإسلام – ومنهم آل ياسر- قد أخذوا نصيبهم الأوفى من اضطهاد قريش وعذابها ، وكان أمر تعذيبهم موكول إلى بني مخزوم، يخرجون بهم جميعا ياسر و سمية وعمار كل يوم غالى رمضاء مكة الملتهبة ويصبون عليهم من جحيم العذاب، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج كل يوم إلى أسرة ياسر مُحييا صمودها وقلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم، وذات يوم ناداه عمار: ( يا رسول الله، لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ ).

فأجابه النبي (ص) بكلماته المواسية المعزية: " صبرا أبا اليَقْظان، صبرا آل ياسر فإن موعـدكم الجنة "، ولقد وصـف أصحاب عمار العذاب الذي نزل به.

فيقول عمـرو بن ميمون: ( أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمر به، ويُمر يده على رأسه ويقول: يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم ).

و يقول عمرو بن الحكم: { كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول }.

وحدث ذات مرة أن عرض عليهم الكفار النطق بكلمة مقابل العفو عنهما، فماذا حدث ؟ لم يستجب ياسر ولا زوجته سميه لهذا الضغط المعنوي ولا التعذيب البدني البالغ القسوة والفظاظة ، وأصرا على الإيمان حتى نالا الشهادة في سبيل الله، ولم يأخذا برخصة التقية.

أم ولدهما عمار فكان أول من أخذ بها، حينما لم يستطع مواصلة تحمل آلام العذاب والتعذيب.

وقد بلغ رسول الله (ص) أن عمار بن ياسر كفر، فأنكر صلى الله عليه وسلم هذا، وقال:" إن إيمان عمار من مفرق رأسه إلى قدمه" و "إن الإيمان في عمار قد اختلط بلحمه ودمه ".

فلما جاء عمار أقبل على رسول الله وهو يبكي، ثم قص عليه ما تعرض له من أذى المشركين، وقال: "والله يا رسول الله ما خلّصني من أيديهم إلا أنِّي تناولتك وذكرت آلهتهم بخير".

فما كان من النبي الكريم إلا أن مسح دموع عمار بيده الشريفة الحانية وقال له: فكيف تجد قلبك ؟ قال عمار: مطمئن بالإيمان، فقال له النبي: " فإن عادوا  فعد "..أي قل لهم مثل ما قلت .

ولعل هذا يتفق مع  أخرجه الترمذي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، قالوا : وكيف يذل نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يطيق ".

وفي تلك القصة وفي عمار بن ياسر أنزل رب العزة: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ".

وهنا ملاحظة في غاية الأهمية وهي في قوله تعالى " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"

ثم سكت عنه القرآن الكريم ولم يأت بالخبر ،  ليدلنا على أنه لا شيءَ عليه، ولا بأسَ أن يأخذ المؤمن بالتقية، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال.

وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقت كلمة الكفر وهي مطمئنة بالإيمان. . وفي الحديث الشريف: "رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".

وعندما رفض بعض الصحابة موقف عمار واعتبروه ضعفا وتخاذلا، ومنهم من اعتبره وقوع في الكفر ، وقارنوا بين موقفه هذا وموقف بلال بن رباح الذي واجه أشد صنوف العذاب ولم يزد في مواجهته إلا أن قال : أحد أحد .

وتوجهوا للنبي (ص) متسائلين : فما بال بلال؟ فقال:" عمار استعمل رخصة، وبلال صدع بالحق "

والمسألة لم تكن في حاجة إلى أي سؤال أو تساؤل ، فكلا الصحابيان بلال وعمار كان يجسد  منزلة وموقفا  في مواجهة الباطل وأهله، وإن كان الجهر بالحق والصبر على البلاء أعلى منزلة، وأسمى درجة من الأخذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر.

وقد تحدث العلماء عن الإكراه في قوله تعالى:" إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"..

وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها، على النحو التالي: إذا أكره الإنسان على أمر ذاتي فيه. كأن قيل له: اشرب الخمر وإلاّ قتلتك أو عذبتك قالوا: يجب عليه في هذه الحالة أن يشربها وينجو بنفسه؛ لأنه أمر يتعلق به، ومن الناس من يعصون الله بشربها في الحياة العادية.

أما إن قيل له: اكفر بالله وإلا قتلتك أو عذبتك، قالوا: هو مخير بين أن يأخذ بالتقية هنا، ويستخدم الرخصة التي شرعها الله له، أو يصدع بالحق ويصمد.

أما إذا تعلق الإكراه بحق من حقوق الغير، كأن يقال له: اقتل فلاناً وإلا قتلتك، ففي هذه الحالة لا يجوز له قتله؛ لأنه لو قتله لقتل قصاصا، فما الفائدة إذن؟ ومن ثم  أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ويصبر على البلاء الذي نزل به ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة .

واختلفوا في الزنا فقال بعضهم: لا يفعل أحد ذلك وإن قتل لم يفعله فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد .. وبه قال أبو ثور و الحسن.. وقال آخرون  لا حد عليه .. قال ابن العربي الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنا ولا حد عليه خلافا لمن ألزمه ذلك لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك وهو الذي أسقط حكمه وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري .

وقال أبو حنيفة إن أكرهه غير السلطان حد وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ولكن استحسن ألا يحد وخالفه صاحباه فقالا لا حد عليه في الوجهين، و قال ابن المنذر لا حد عليه ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان.

وما يهمنا في قصتنا هذه وبعيدا عن اختلاف العلماء والفقهاء، أن الأحداث والشواهد التاريخية فيما بعد أكدت عدم  غضب أو استياء النبي (ص) من عمار بل كان يقربه ويكرمه ، بل ونبأ المسلمون من حوله أن يكون استشهاده فرقانا بين أهل الحق وأهل البغي . ففي أثناء بناء مسجد الرسـول - صلى الله عليه وسلم- تقدم النبي (ص) بمودة وحنان إلى  عمار، واقترب منه ونفض بيده الغُبار الذي كسا رأسه، وتأمل وجه عمار الممتلئ طيبة وصفاء ووداعة، ثم قال على ملأ من أصحابه: "ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية ".

وتتكرر النبوءة حين يسقط الجدار على رأس عمار فيظن بعض إخوانه أنه مات، فيذهب إلى الرسول ينعاه، فيقول الرسول -صلى الله عليه سلم- بطُمأنينة وثقة: " ما مات عمار، تقتل عماراَ الفئة الباغية ".

وتمر الأيام والأعوام ، ويقع المحذور وتنشب الحرب بين جيش علي وجيش معاوية في صفين، وكان عمار بن ياسر ، قد جاوز الرابعة والتسعين عاما، وكان يحارب بحماس، يحرض الناس، ويستنهض الهمم، ولكن دون أن يفقد صوابه العقلي

واتزانه الموضوعي، فعندما سمع رجلا بجواره يقول: كفر أهل الشام. نهاه عمار عن ذلك وقال: إنما بغوا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيهم، فإلهنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة.

وكان حديث " تقتل عماراَ الفئة الباغية ".مشهورا ومتداولا بين المسلمين ، وكان عمرو بن العاص يرويه قبل صفين ويكرره ، فطالبه ذو الكلاع أحد قادة جيش معاوية في صفين قائلاً: هذا عمار مع علي !!فأجابه بأنه سوف يترك علياً ويكون معنا.

وعند اللحظة الفارقة في المعركة بين الحق والبغي استشهد الصحابي الجليل عمار بن ياسر.. وبمقتله على يد رجال جيش معاوية ، كان ينبغي على معاوية أن يتوقف على الفور عن مواصلة القتال وأن يعترف بأنه أخطأ ، ولكنه للأسف تهرب من الحقيقة ، وكما فعل بشأن مقتل عثمان كرر نفس الشئ هنا وحاول نسبة قتل عمار إلى جيش علي !! ففي مسند أحمد": فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع حتى دخل على معاوية ، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قتل عمار ! فقال معاوية: قد قتل عمار فماذا ؟ قال عمرو: سمعت رسول الله يقول: تقتله الفئة الباغية ! فقال له معاوية: دَحَضْتَ في بولك أَوَنَحْنُ قتلناه ؟ إنما قتله عليٌّ وأصحابُه ، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا . أو قال بين سيوفنا" !

وقال المناوي في فيض القدير ( قال القرطبي: وهذا الحديث من أثبت الأحاديث وأصحها ، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره قال إنما قتله من أخرجه ! فأجابه علي بأن رسول الله(ص)إذن قتل حمزة حين أخرجه؟ ! وكان هذا من علي  رد مسكت وإلزام مفحم لا جواب عنه ، وحجة لا اعتراض عليها.

و قد قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب (الإمامة) : " أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي ، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين ، أن علياً مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل ، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ، لكن لا يكفرون ببغيهم".

رحم الله عمار الذي تبين باستشهاده طائفة الحق من طائفة البغي ، والذي جاء الأثر في حقه :( اشتاقت الجنة إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان) .

التعليقات