النيل في بلدتي

النيل في بلدتي

 

 
فى بلدتى كورنيش للنيل يحده جسرعتيق من ناحية اليسار ومنحنى  يتلاشى فيه النيل جزئياً بحنوِ من ناحية اليمين. فى طفولتى ظلت عيناى متعلقتان بهذا المنعطف اتعجب الى أين يأخذنا إن مشينا فوقه او بمحاذاته. لم أستطع أبدا أن أمشى بجانبه من ناحية بلدتى لأن الكورنيش ينتهى بمنطقة المصانع المغلقة، ولم أستطع ان أمشى فوقه ركوباً فى مركب متتبعةً المنحنى. لا أفهم الآن لماذا لم افعل ولم اطلب أن أفعل. أغلب الظن أنه لم يكن ليٌسمح لى وكنت سأتلقى احدى الصفات الملتصقة بى مثل "الرعونة او الغرابة" ولم اكن سأستطيع وقتها أن أفسر شغفى بالمعرفة أو ماوارء ما أراه. كنت سأقبل بما يطلقون على من صفات وأغمض عينى وأتخيل مالا أراه.
 
 
 
بٌنى الجسر أيام الانجليز. كعادة  الامبراطوريات الاستعمارية عند احتلال أى بلد بدأوا بانشاء مجموعة من الطرق والجسور التى من شأنها تسهيل حركة الجيوش البريطانية وربط الامبراطورية ببعضها البعض. ولهذا يشبه هذا الجسر الجسور القديمة فى القاهرة، بل وفى لندن نفسها. رأيته مرة واحدة فى الحياة يٌفتح لتمر منه مراكب ضخمة، ومررت من تحته عدة مرات فى مراكب صغيرة وأنا أتساءل عن كيفية حفر قواعده فى قلب الماء . كنت أعلق فى كماشة محكمة من الرعب أثناء مرور القطار على الجزء الخاص به والملاصق لجزء عبور المشاة، كان صوت القطار ومايحدثه من اهتزازات عنيفة فى الجسر وشكل الماء الطينى تحت الجسر واستحالة الحركة من مكانى حتى ينتهى عبوره كابوساً مرعباً لايزال يطاردنى فى أحلامى وأنبطح فيها على الأرض حتى يمر. كانت يدا أبى وأمى وقتها هى كل مايربطنى بالعالم خارج لحظة الرعب.
لكننى لم أمت أبداً فى أى من مرات عبور القطار على الجسر وإن كنت قد توقفت عن عبوره.
أما المنعطف فقد حاولت أن أتبعه مرة واحدة فى مقتبل شبابى. وقتها عبرت الجسر لأتبعه من الضفة الأخرى. كنت حزينة وغاضبة ووددت لو مشيت حتى أصل لحدود مصر السياسية أو تتبدد قوتى فأسقط فى مكانى. ظللت أمشى بمحاذاة النهر خوفاً من التيه، انتهت معالم البلدة المأهولة وخرجت الى القرى المجاورة وانا لا ازال بمحاذاة المياة حتى تعبت..كان النهر هناك بلا سور ولا كورنيش، قريباً من الناس بشكل غير مسبوق، بينما فى كورنيش بلدتى تحتاج أن تنزل من ارتفاع حتى تصل له. جلست فترة بجانب الماء على أربعة سلالم لازلت ألمحها قدوماً من الأسكندرية ، أقاوم غواية أن أخمد فى الماء كل نيران غضبى وضيقى ثم عدت الطريق الطويل وكل جسمى ينبض بالتعب. ولم أكررها.
 
 
ما بين الجسروالمنعطف ظل كورنيش النيل فى كفر الزيات لوحة متحركة أمام عينى أستطيع ان أتخيل صورها متعاقبة بكل أشكال ضوء الشمس فى كافة الأوقات وبكل المرات التى عبرت فيها منه إما متنزهه أو قاصدة مطلب. أرانى أعبره حاضنة الكتب على صدرى فى طريقى من البيت الى درس خاص، أو فى طريقى الى موقف السيارات لأركب الى الجامعة أو مع صديقتى نجلاء رجوعاً من الجامعة. نجرى معاً بسرعة فى  الأجزاء المكشوفة للشمس ونتمهل تحت الشجر الكبير المصطف بنظام على الكورنيش حتى تصل هى الى بيتها وأكمل طريقى بعدها. كان هذا فى صيف قائظ، بعدها بعام فقدتها فى صيف قائظ، وفى توقيتات صيفية أخرى قائظة فقدت أبى، وخالتى. أتذكرنى الآن فى أغلب هذه المصائب الجلل فى حرِ مجهد. والحر يزيد إرهاق الحزن والأسود يزيد ارهاق الحر والحزن معاً، وورد النيل على سطح المياة فى كل هذه الأوقات. 
لكنى لن أتحدث عن الحزن. ليس اليوم..اليوم أنا فى بلدتى بين الجسر والمنعطف، والشمس فى حنو العصر والنسمة ربيعية لطيفة و الشاب الذى جاء يسألنى ماذا أشرب وقد جلست مايقرب من النصف ساعة على أحد كراسيه  يظننى خواجاية من " سويسرا"!! ولا أفهم لماذا وانا أحدثه بنفس لغته وأرتدى الحجاب؟ هل باعدت كل الأماكن التى سافرت اليها وعشت فيها بينى وبين بلدتى الى هذا الحد حتى صرت مٌستغربةً وأنا فيها؟ أم أن مكوثى بلا حركة او كلام أو حتى عبث بشاشة المحمول أمراً  يبعث الشك فى هويتى؟ أم نكون أنا وبلدتى قد تغيرنا معاً فلا هى تعرفنى ولا أنا أعرفها؟
لكن الحق يٌقال، عاملنى الشاب كما يعامل السياح، فلم يلتفت لتأكيدى على أننى بنت البلد، ولم يفتح زجاجة المياة الغازية إلا أمامى بعد ان غسلها وحاول رد بقية ما أعطيته من بقشيش عن طيب خاطر اكراماً للسياحة فكانت بشاشته الحقيقية عصاة سحرية رأيتنى بعدها أمشى فى قبعة قشية كبيرة وفستان أبيض قطنى بدون اكمام ألتقط صوراً للبلدة وأبتسم للعابرين المحملقين فى غٌربتى وغرابتى حتى أننى سمعت من  يقول " والنبى  سنيورة عسل!" وكان فى عمر ابنى ولم اكترث ورأيت عدة حناطير سوداء لامعة تتبختر على الكورنيش رغم علمى بأنها اختفت من هذه البلدة تماماً منذ أكثر من عشر سنوات وحل محلها التوكتوك، وسمعت عم جابر يقول لحصانه بندقى اللون " هيييييسسسس" ليقف الحنطور اللامع بجانب الرصيف، كرسيه الأسود المنجد براق، تفوح منه بقايا ورنيش الأحذية المستخدم فى التلميع، لأركب وينزل الغطاء مثلما قد يفعل مع السياح وأكمل نزهتى على الكورنيش تهدهدنى أصوات جلجلة الأجراس حول عنق الحصان وهى تتبادل الايقاع مع وقع حوافره.
التعليقات